وينبغي القطع بصحّة هذا القول [ وهو فساد الوضوء مطلقاً ] فيما لو كان التشريع في أصل النيّة ، بأن يكون قد نوى التقرّب بوضوء مشتمل على ثلاث غسلات ( 1 ) . بل الظاهر حصول البطلان في نحو الفرض وإن لم يفعل الفعل المشرّع به .
أمّا لو لم يأخذه بالنيّة إمّا بأن يكون نوى القربة بالوضوء الحقيقي لكنّه قصد التشريع في الأثناء أو أنّه نوى القربة بالوضوء الواقعي وكان يزعم أنّ المشتمل على الثلاث من جملته ، فالظاهر عدم حصول البطلان ( 2 ) .
فكأنّ القول بالبطلان حينئذٍ إنّما يكون من شيء خارجي غير زيادة [ الغسلة ] الثالثة ( 3 ) [ ولا نرى وجهاً للفساد بفعلها إذا لم يستلزم المسح بماء جديد ] .
فلا فساد لو غسل الوجه حينئذٍ وحده أو مع اليمنى من دون غسل اليسرى ثلاثاً ، لكن بشرط مباشرة غسلها باليمنى ؛ ليكون الباقي في اليمنى نداوة وضوء حينئذٍ . أو قلنا بجواز مسح الرأس والرجلين باليد اليسرى ، فإنّه لا يقدح حينئذٍ غسل اليمنى ثلاثاً ، و [ لو ] لم يباشر بها غسل اليسرى لكون المسح خاصّة باليسرى .
وبه يظهر أنّه لو غسل اليسرى ثلاثاً أيضاً ولم يغسل اليمنى كذلك لم يبطل الوضوء إن جوّزنا مسح الرأس والرجلين باليمنى خاصّة .
شرح
( 1 ) لأنّه نوى القربة بما ليس مقرّباً ، والمقرّب الحقيقي لم ينوه .
( 2 ) لكونه نهياً عن شيء خارج عن العبادة .
وبطلان الصلاة بنحو ذلك لدليل خاصّ من إجماع أو غيره ، أو لكون الظاهر من الأدلّة أنّها هيئة اجتماعية مترتّبة تقدح فيها الزيادة والنقيصة ، بخلاف الوضوء كما يظهر من الإجماع على عدم البطلان فيما لو كرّر المسح مشرّعاً ، أو خالف الترتيب ولما يحصل الجفاف ، ونحو ذلك .
2 / 280 / 499
واحتمال القول بالبطلان لا للتشريع بل للاستظهار ممّا سمعت من الأدلّة السابقة وإن كان ممكناً ، إلّا أنّ أقواها خبر داود ، وهو لا جابر له في خصوص ذلك ، بل موهون بمصير المشهور إلى خلافه ، وكذا قوله عليه السلام : « من تعدّى في الوضوء كان كناقصه » .
بل لعلّهما [ خبر داود وخبر السكوني ] محمولان على إرادة الإدخال في أصل النيّة ، كما عرفت .
بل قد يظهر من بعضهم أنّ داود القائل بالبطلان إنّما هو إذا استلزم المسح بمائها ، فلا مخالف حينئذٍ .
وممّا يرشد إلى عدم البطلان - مضافاً إلى ما سمعت - قول الصادق عليه السلام في خبر زرارة : « الوضوء مثنى مثنى ، من زاد لم يؤجر عليه » « 1 » .
( 3 ) فنقول حينئذٍ : لا نرى وجهاً للفساد بفعلها سوى ما يقال : إنّ فيه تفويتاً للموالاة ، وقد عرفت ما فيه .
وسوى ما يقال : إنّه مستلزم للمسح بماء جديد ، وهو حقّ حيث يستلزم .
هامش
( 1 ) تقدّم في ص 606 .