فالإتيان بها حينئذٍ لا على هذا الوجه - بل كان لغرض من الأغراض كالتبريد ونحوه ، أو عبثاً - خارج عن محلّ الفرض ، ولا حرمة فيه من جهة التثليث . نعم ، قد تحصل الحرمة حينئذٍ من أمور أخر ، كاستلزامها فوات الموالاة بمعنى المتابعة إن قلنا بوجوبها ، أو [ استلزامها ] بطلان الوضوء لمكان المسح بالماء الجديد إن قلنا بحرمة قطع العمل ( 1 ) .
كما أنّ الظاهر أنّ التشريع ليس مخصوصاً بالجاهل الذي يتصوّر منه الاعتقاد [ بالمشروعيّة ] ، بل يجري فيه وفي العالم ( 2 ) ، سيّما في الرئيس ذي الأتباع كأبي حنيفة ومالك ( 3 ) .
ثمّ إنّه بعد البناء على الحرمة فهل يفسد الوضوء بفعلها أو لا ؟ ( 4 ) [ المختار الأوّل ] .
شرح
( 1 ) وأمّا دعوى عدم حرمتها [ الغسلة الثانية ] حتى لو جيء بها على جهة المشروعية ، زعماً منه أنّ المحرّم الاعتقاد دون الفعل ، فهو ممّا لا ينبغي أن يلتفت إليه ، بل يمكن دعوى الإجماع على خلافه .
( 2 ) لأنّ المحرّم هذه الصورة والنيّة الجعلية .
( 3 ) ومن العجيب قوله آخراً : « أنّه قد يناقش في حرمة ذلك الاعتقاد . . . إلى آخره » ؛ إذ الكلام في التشريع المحرّم ، وهو عبارة عن إدخال ما ليس من الدين في الدين ، إمّا من العالم بعدم مشروعيته ، أو من الجاهل غير المعذور ، ويكفي في الحرمة تلك الصورة [ الجعلية ] . كلّ ذلك مع ما عرفت من ظواهر الأدلّة من كون الثالثة بدعة ونحوه ، القاضية بحرمة الفعل كما هو واضح .
( 4 ) [ فيه ] أقوال أربعة : الأوّل : الفساد مطلقاً ، كما هو ظاهر إشارة السبق وعن كافي أبي الصلاح « 1 » .
الثاني : الصحّة مطلقاً ، واستوجهه المصنّف في المعتبر « 2 » .
والثالث : الفساد إن مسح بمائها ؛ لكونه ماءً جديداً .
والرابع : تخصيص البطلان بغسل اليسرى ثلاثاً ؛ لكونه المستلزم المسح بماء جديد دون غيره .
وكأنّ مستند [ القول ] الأوّل :
1 - قوله عليه السلام في صدر خبر داود المتقدّم : « ومن توضّأ ثلاثاً فلا صلاة له » . وفي آخره : « توضّأ مثنى مثنى ، ولا تزدن [ عليه ] ؛ فإن زدت فلا صلاة لك » « 3 » .
2 - وقول الصادق عليه السلام في خبر السكوني : « إنّ من تعدّى في الوضوء كان كناقصه » 4 .
3 - مضافاً إلى قوله صلى الله عليه وآله وسلم في غير المشتمل على الثلاث : إنّ « هذا وضوء لا يقبل اللَّه الصلاة إلّا به » « 5 » .
4 - وأنّه لم يأت بالمأمور على وجهه ؛ لكون المفروض أنّه مأمور به مرّة مرّة واجباً ، ومثنى ومثنى مستحباً ، والتثليث منافٍ للكيفيّتين . وقد تكون الاثنينية فقط لها مدخليّة في الصحّة ، سيّما على القول بأنّ ألفاظ العبادات اسم للصحيح ، أو لم يعلم أنّها له أو للأعمّ .
5 - وشغل الذمّة اليقيني يستدعي البراءة اليقينيّة .
6 - مع استصحاب حكم الحدث السابق .
هامش
( 1 ) الإشارة : 71 . الكافي : 133 .
( 2 ) المعتبر 1 : 160 .
( 3 ) 3 ، 4 تقدّم في ص 599 ، 602 .
( 5 ) الوسائل 1 : 438 ، ب 31 من الوضوء ، ح 11 .