. . . . . . . . . .
شرح
وكذا ما يظهر من صاحب المدارك من حمله رواية الاثنين على نهاية الجواز « 1 » ؛ إذ هو - مع عدم جريانه في كثير ممّا سمعت أيضاً - منافٍ لاعتبار الرجحان في جزء العبادة . اللّهمّ إلّا أن يدّعى أنّه [ الغسل الثاني ] رخصة من الشارع ، وليس جزء عبادة . وهو في غاية البعد ؛ لاستلزامه تخصيص ما دلّ على المسح بماء الوضوء وغيره بذلك .
وكذا ما ذكره بعضهم « 2 » من حمل أخبار التثنية على الغرفتين ، وأخبار المرّة على الغسلة ، فيكون المستحب الغسلة الواحدة بغرفتين . وادّعى أنّه بذلك تتّجه الأخبار . واستدلّ عليه بحديث زرارة وبكير ، قلنا : أصلحك اللَّه تعالى فالغرفة الواحدة تجزي للوجه ، وغرفة للذراع ؟ فقال عليه السلام : « نعم ، واثنتان تأتيان على ذلك كلّه » « 3 » .
وفيه : - مع مخالفته أيضاً لكثير من الوضوءات البيانيّة ، وعدم إمكان جريانه في نحو رواية داود بن زربي ومكاتبة عليّ بن يقطين وغيرهما - أنّه تحكّم في الأخبار ، وحمل لها على ما تشتهي النفس من غير مرشد . وما ذكره من الخبر لا إشعار فيه بذلك ، فضلًا عن الظهور ، فتأمّل .
وليقض العجب ممّا في الحدائق من اختياره حرمة الثانية وأنّها تشريع ، وجمعه بين الروايات بأنّ مدارها جميعاً على استحباب الإسباغ ، أي الإتيان بالغسل الواجب بماء كثير ، فيكون المجزي منه ما كان مثل الدهن « 4 » . والمستحب ما اشتمل على الإسباغ وهو يحصل إمّا بغرفة واحدة ملء الكفّ مع البلاغة فيها ، أو يحصل بغرفتين بدون المبالغة .
وجمع بذلك بين جميع الروايات حتى الوضوءات البيانيّة « 5 » ؛ إذ هو - مع أنّه منافٍ للإجماع من جواز الثانية وأنّها ليست بمحرّمة . وما ادّعاه من حمل كلام الصدوق عليه والكليني قد عرفت أنّه لا صراحة فيهما بذلك سيّما الثاني ، بل والأوّل أيضاً ؛ لما عنه في الأمالي أنّه نسب الجواز إلى اعتقاد الإمامية « 6 » - لا يتّجه بالنسبة إلى رواية داود بن زربي ولا رواية عليّ بن يقطين ؛ لكونهما كالصريحتين في إرادة الغسل ، بل وكذا غيرهما كخبر الفضل بن شاذان عن الرضا عليه السلام المتقدّم سابقاً « 7 » .
ونحوه ما صدر من بعض متأخّري المتأخّرين « 8 » ممّا ينافي بظاهره الجمع . ومنشؤه سوء الطريقة والإعراض عن كلمات أصحابنا الماهرين الذين هم أعلم بمضامين أخبار الأئمّة المعصومين عليهم السلام ، وإلّا فلولاه لأمكن الجمع بين الروايات بأمور اخر ، منها :
أن يقال : إنّ المستحب الغسلة الواحدة فمن غسل مرّتين كان ناقص الأجر ، على معنى أنّ للمستحب فردين ، أشقهما أقلّهما ثواباً ، كما يشعر به خبر البزنطي المتقدّم سابقاً . وغير ذلك من الوجوه ، واللَّه أعلم .
هامش
( 1 ) المدارك 1 : 233 .
( 2 ) الوافي 6 : 322 .
( 3 ) الوسائل 1 : 389 ، ب 15 من الوضوء ، ح 3 ، وفيه : « نعم إذا بالغت فيها والثنتان . . . » .
( 4 ) الحدائق 2 : 320 .
( 5 ) الحدائق 2 : 338 - 342 .
( 6 ) تقدّم ص 601 .
( 7 ) تقدّم في ص 599 .
( 8 ) المشارق : 134 .