تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جواهر الكلام في ثوبه الجديد — صفحة 544

مساهمون:

ص٥٤٤
. . . . . . . . . .
شرح
وما يتخيّل أنّ منه [ من جرّ المجاورة ] قوله تعالى :( وَحُورٌ عِينٌ )« 1 » بقراءة الجرّ [ فإنّ الجرّ ليس لعطف « الحور » على « الأكواب » ] لكونها لا يطاف بها . يدفعه : أنّه - على تقدير تسليم هذه القراءة - أنّه عطف [ « الحور » ] على « جنّات النعيم » كأنّه قال : هم في جنّات النعيم وفاكهة ولحم ومقاربة حور عين . أو [ أنّه عطف « حور » ] على « أكواب » ؛ لأنّ معناه يتنعّمون بأكواب ، على أنّه لا امتناع في أن يطاف بهنّ . فلا يعارض مثل ذلك الحمل على عطف [ الأرجل على ] المحلّ [ أي محلّ الرؤوس ] الواقع في الكلام الفصيح شعراً ونثراً . ومن هنا التجأ بعضهم « 2 » إلى ارتكاب شيء آخر ، وهو أنّ المراد بالمسح هنا الغسل ؛ لاشتماله عليه . وإنّما عبّر عنه [ الغسل ] بلفظ المسح تنبيهاً على وجوب الاقتصاد في صبّ الماء ؛ لكون الأرجل تغسل بالصبّ من بين الأعضاء فهي مظنّة الإسراف . ثمّ جيء بقوله :( إِلَى الْكَعْبَيْنِ )قرينة على إرادة الغسل ؛ لعدم ضرب غاية للمسح في الشرع . بل هذا التحديد [ بقوله :( إِلَى الْكَعْبَيْنِ )] قرينة على عطفه [ قوله :( وَأَرْجُلَكُمْ )] على « الأيدي » ؛ لاتّحادهما بذلك [ بكونهما محدودين ] . ويدفعه : 1 - مع أنّهم لا يقولون به [ بأنّ المراد بالمسح الغسل ] بالنسبة للرأس . 2 - ما تقدّم لك سابقاً من التباين بين الحقيقتين [ أي المسح والغسل ] لغةً وعرفاً وشرعاً ، ومجرّد الاشتمال [ أي اشتمال المسح ] عليه [ الغسل ] لا يوجب صدق الاسم عليه ، وإلّا لوجب صدقه على حركة اليد ونحوها . 3 - ثمّ إنّه لا دليل على وجوب الاقتصاد في غسل الرجلين ، ولا مانع من التحديد في المسح ؛ إذ هو كالغسل في قابليّته لذلك . بل لا مانع من عطف المحدود [ وهو مسح الرجلين ] على غير المحدود [ وهو مسح الرؤوس ] كما في عطف الأيدي على الوجوه . بل الظاهر أنّه أولى ؛ لموافقة الجملة الثانية : [( وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ )] مع الجملة الأولى [ أي :( فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ )] بالنسبة إلى ذلك [ في عطف المحدود في كلّ منهما على غير المحدود ] . وعن آخرين حمل قراءة الجرّ على طهارة ذي الخفّين « 3 » ، فالتزموا بالتعبير عن الخفّ بالرجل . وهو أشنع من الأوّل [ وهو الحمل على جرّ المجاورة ] . ولقد أطال أصحابنا رحمهم الله في البحث معهم بذلك ، لكنّه كما قيل :لقد أسمعت لو ناديت حيّاً * ولكن لا حياة لمن تنادي
هامش
( 1 ) الواقعة : 22 . ( 2 ) الكشّاف 1 : 597 . ( 3 ) سبل السلام ، للصنعاني 1 : 88 .