و [ عدم الاجتزاء عن الندب ] هو الذي يقتضيه الاحتياط ، بل هو الأقوى وإن كان الأوّل [ أي الاجتزاء ] لا يخلو من وجه . والظاهر أنّه بناءً على الاجتزاء بالجنابة لا فرق بينها وبين غيرها من الواجبات كغسل الحيض ونحوه ( 1 ) .
[ إجزاء الغسل المنوي به الجمعة عن الجنابة ] :
المقام الثالث : أن ينوي غسل الجمعة من غير تعرّض للجنابة ( 2 ) .
و [ القول بالإجزاء عن الجمعة دون الجنابة ] هو الأقوى ( 3 ) .
شرح
( 1 ) وربّما ظهر من بعضهم - كابن إدريس في السرائر والفاضل الهندي وغيرهما - اختصاص ذلك بالجنابة « 1 » .
ولعلّه لما في صدر حسنة زرارة المتقدّمة « 2 » ، ولأنّ غسل الجنابة له مزيّة على غيره ، ولما يظهر من ابن إدريس من أنّ العمدة في ذلك الإجماع . لكنك خبير أنّه بناءً على أنّ منشأ الإجزاء هو كون المراد من غسل الجمعة مثلًا حصول الغسل ولو في ضمن الواجب كالصوم في الأيام البيض ، أو أنّه إطلاق قوله عليه السلام : « إذا اجتمعت . . . إلى آخره » ونحوه ، يتّجه عدم الفرق بين غسل الجنابة وغيره ، بل يؤيّده قوله عليه السلام في آخر الرواية : « وكذلك المرأة يجزيها . . . إلى آخره » ، فيحمل قوله عليه السلام : « للجنابة » على المثال .
هذا ، إلّا أنّك قد عرفت أنّ الأقوى أنّه لا تداخل مع عدم النيّة .
( 2 ) قيل : لا يجزي عن الجنابة ولا عن الجمعة « 3 » ، وقيل : يجزي عنهما « 4 » . وقيل : يجزي عن الجمعة دون الجنابة 5 .
( 3 ) أمّا إجزاؤه عن الجمعة ، فلأنّ الأمر يقتضي الإجزاء لصدق الامتثال . وما يقال : إنّ المقصود منه التنظيف ، وهو لا يحصل مع بقاء الحدث ، في غاية الضعف ؛ إذ هي دعوى عارية عن الدليل ، بل قد يظهر من مشروعية غسل الإحرام للحائض خلافها .
وأمّا عدم إجزائه عن الجنابة ، فلعدم نيّته كما عرفت في سائر أنواع التداخل . والتمسّك [ لإثبات الإجزاء عن الجنابة بنيّة الجمعة ] بإطلاق الأدلّة أو بأنّ المراد من غسل الجنابة غسل هذه الأعضاء على وجه القربة بعد حدث الجنابة وإن كان في ضمن المستحب . فيه من الضعف ما لا يخفى ، كما ظهر لك من المباحث السابقة .
نعم ، قد يستدلّ [ على الإجزاء عن الجنابة بنيّة الجمعة ] بما ينقل عن الفقيه أنّه روى في أبواب الصوم : « من جامع في أوّل شهر رمضان ثمّ نسي حتى خرج شهر رمضان ، أنّ عليه أن يغتسل ويقضي صلاته وصومه ، إلّا أن يكون قد اغتسل للجمعة ؛ فإنّه يقضي صلاته وصومه إلى ذلك اليوم ، ولا يقضي ما بعد ذلك » « 6 » ، مع أنّه [ الصدوق رحمه الله ] ذكر في أوّل كتابه : أنّه إنّما يورد فيه ما يفتي به ويحكم بصحّته ويعتقد أنّه حجّة فيما بينه وبين ربّه عزّ وجلّ « 7 » . لكن فيه : أنّ الخروج بمجرّد هذه الرواية - مع عدم الجابر لها ، وموافقتها لبعض مذاهب العامّة - عمّا تقتضيه أصول المذهب لا يليق بالفقيه . فما وقع من بعض متأخّري المتأخّرين 8 من العمل بمضمونها [ رواية الفقيه ] - بل قد يظهر من بعضهم « 9 » أنّه موافق للقواعد - ممّا لا ينبغي أن يلتفت إليه .
وبما ذكرنا تستغني عن ذكر مستند كلّ من الأقوال المتقدّمة . كما أنّك استغنيت بعد الاطّلاع على جميع ما تقدّم عن التعرّض لصحّة ما إذا وقع الفعل بنيّة امتثال سبب خاصّ قاصداً عدم الآخر وبطلانه على الوجوه السابقة .
هامش
( 1 ) السرائر 1 : 124 . كشف اللثام 1 : 167 .
( 2 ) تقدّم في ص 470 .
( 3 ) 3 ، 5 الخلاف 1 : 222 . السرائر 1 : 124 .
( 4 ) 4 ، 8 الذخيرة : 9 ، 9 - 10 .
( 6 ) الفقيه 2 : 119 ، ح 1896 . الوسائل 10 : 238 ، ب 30 من يصحّ منه الصوم ، ح 2 .
( 7 ) الفقيه 1 : 3 .
( 9 ) المشارق : 66 .