. . . . . . . . . .
شرح
ودعوى الدخول [ أي دخول الندب تحت الوجوب ] فيه [ في فرض الصلاة على الجنازتين ] ممنوعة . [ وذلك ] كمنع ما ذكره [ الشهيد ] الأوّل من أنّه لا يضرّ اعتقاد منع الترك لأنّه مؤكّد ؛ إذ كيف لا يقدح مع كونه فصلًا مميّزاً للفعل عن جائز الترك ؟ ! فتأمّل جيّداً .
وفي الذخيرة في دفع الإشكال [ أي التضادّ بين الوجوب والندب ] ما هذا لفظه : « الأقرب أن يقال : لمّا دلّ الدليل على إجزاء غسل واحد عنهما ، يلزم أن يقال : إحدى الوظيفتين تتأتّى بالأخرى ، بمعنى أنّه يحصل له ثوابها وإن لم يكن من أفرادها حقيقة ، كما تتأدّى صلاة التحيّة بالفريضة والصوم المستحب بالقضاء ، أو يقال : ما دلّ على استحباب غسل الجمعة مختصّ بصورة لا يحصل سبب الوجوب ، والمراد من كونه مستحباً أنّه مستحب من حيث كونه غسل الجمعة مع قطع النظر عن طريان العارض المقتضي للوجوب » « 1 » انتهى .
وفيه : أنّ ما ذكره أوّلًا مخالف لمراد أصحابه ؛ لتصريحهم بكونه من أفراده ، وأنّ المراد بغسل الجمعة جريان الماء على الأعضاء قربة وإن كان في ضمن الواجب . ثمّ إنّه مع نيّتهما معاً - كما هو الفرض - تأدية إحداهما بالأخرى إن كانت مخصوصة فهو ترجيح بلا مرجّح ، وإن كانت على الإبهام لا معنى له . بل لا يخفى ما في كلامه [ صاحب الذخيرة ] الأخير بحيث لا يحتاج إلى بيان .
نعم ، ربما يقال في دفع أصل الإشكال : بأنّه لا مانع من اجتماع الوجوب والندب في شيء واحد من جهتين ، بمعنى أن يكون فرداً لكلّيين أحدهما متعلّق الوجوب والآخر متعلّق الندب ؛ وذلك لاختلاف متعلّقهما حقيقة .
لكن فيه : أنّ الامتثال وقع في الشخص الموجود في الخارج ، وهو لا تعدّد فيه ، وإن جاز ذلك هنا فليجز في الواجب والمحرم كذلك ، وهو ليس من مذهبنا ، وإن جنح إليه بعض المدقّقين « 2 » من أصحابنا لهذه الشبهة ، وللكلام معه مقام آخر .
وقد يقال في دفع أصل الإشكال : إنّه نمنع التنافي في اجتماع الواجب والمندوب ، بمعنى اشتمال الفعل على مصلحة الواجب والندب ؛ إذ مصلحة الندب ليس مأخوذاً في مفهومها جواز الترك حتى تنافي مصلحة الواجب ولا هو من مقتضياتها ، بل المراد أنّ الفعل مشتمل على مصلحة لم توصله إلى حدّ الإلزام به ، فجواز الترك في المندوب من أصل الأفعال ، فلا ينافي اشتماله على مصلحة توصله إلى حدّ الإلزام بالعارض .
وقول الفقهاء : إنّ الواجب والمندوب متنافيان ، يراد به ما لو كان أصل الفعل موضوعاً على ذلك ، أو يراد به مع ملاحظة الحيثيّة . واستوضح ذلك في نيّة الضمائم المندوبة مع الواجب ، فإنّه لا يعرف من أحد الإشكال فيها . فيكون معنى اجتماع الواجب والمندوب حينئذٍ أنّه قد يحصل فعل جامع للمصلحتين إحداهما مصلحة الواجب والأخرى مصلحة الندب ، بمعنى أنّها حيث تكون منفردة لا توصل الفعل إلى حدّ الوجوب والإلزام ، فتأمّل .
وممّا ذكرنا يظهر لك دليل القول بعدم التداخل في الفرض وجوابه .
هامش
( 1 ) الذخيرة : 10 .
( 2 ) انظر المشارق : 66 .