. . . . . . . . . .
شرح
كالقول بأنّهما مختلفان بالوجوب والندب ، وهما متضادّان لا يجتمعان في محل واحد ، والشيعة متّفقون على عدمه [ عدم اجتماعهما ] كالواجب والمحرّم وإن اختلفت الجهة ؛ وذلك لما تقدّم لك في أوّل البحث أنّ التحقيق أنّ المراد بالتداخل هنا إنّما هو الاجتزاء بفعل واحد عن الفعلين ، وليس هذا الفرد الموجود في الخارج الذي تحقّق به الاجتزاء مصداقاً للكلّيين حتى يلزم ما سمعت ، بل هو أمر خارج عنهما ، فهو من قبيل فرد لكلّي آخر قال الشارع : إنّي أجتزئ به عن الواجب والمندوب ، لكن لمّا كان مشابهاً في الصورة سمّي بالتداخل ، وإلّا فهو ليس غسل جنابة وغسل جمعة ليرد ذلك .
فإن قلت : إنّا نسأل عن هذا الغسل الموجود في الخارج أهو مستحب أم واجب أو مستحب وواجب ؟
قلت : هو حيث يقوم مقام الأغسال الواجبة ، فهو أحد فردي الواجب المخيّر بمعنى أنّ المكلّف مخيّر بين أن يأتي بالفعلين 2 / 130 / 231
أو بالفعل الواحد المجزي عنهما ، وحيث يقوم عن الواجب والمندوب فهو مندوب محضاً ؛ لأنّه يجوز تركه لا إلى بدل ، وذلك لأنّه بدله الواجب والمستحب جميعاً ، ويجوز للمكلّف الاقتصار على الواجب فقط ، وهو ليس بدلًا عنه ، فكان يجوز تركه لا إلى بدل ، فلا يكون واجباً ، فينوي حينئذٍ - بناءً على اشتراط نيّة الوجه - الندب فيه مع نيّة الاجتزاء به عن الجميع الواجب والندب ، و [ بناءً ] على عدم الاشتراط ينوي القربة مع نيّة الاجتزاء به عن الجميع .
لا يقال : إنّهم صرّحوا بأنّ الندب لا يجزي عن الواجب ، بل لا يجوز أن يرد فيه دليل ، وذلك لأنّ الأحكام الشرعية عندنا معلولة لمصالح واقعيّة ، ولا ريب في تباين المصلحتين .
لأنّا نقول : لا مانع من اشتمال الندب على مصلحة الواجب لكن وجد المانع من اقتضائها الوجوب ، ووجود المانع لا ينقضها ، بل هي باقية على حالها ، ويكشف عن ذلك الدليل [ الدالّ على إجزاء المندوب عن الواجب ] ، نعم بعد فرض عدم الدليل عليه لا نقول به ؛ لعدم علمنا كيفية مصلحة الندب ، كما يشير إلى ذلك [ اشتمال المندوب على مصلحة الواجب ووجود المانع من اقتضائها الوجوب ] قوله صلى الله عليه وآله وسلم : « لولا أن أشقّ على امّتي لأمرتهم بالسواك » « 1 » وغيره ، فتأمّل .
وأمّا ما ينقل عن بعضهم من دفع هذا الإشكال بعدم وجوب نيّة الوجه « 2 » ، ففيه ما لا يخفى ؛ إذ ليس الإشكال في النيّة [ بل ] إنّما هو في الاجتماع في الشخصي الخارجي ، وهذا لا يرفعه . ويظهر من بعضهم دفع هذا الإشكال بأنّ المراد بتداخل الواجب والمستحب تأدّي إحدى الوظيفتين بفعل الأخرى ، كما تؤدّى صلاة التحيّة بقضاء الفريضة وصوم الأيام المسنونة بقضاء الواجب ونحو ذلك « 3 » ؛ لظهور تعلّق الغرض بمجرّد الماهيّة على أي وجه اتّفق ، فيكون المقصود من غسل الجمعة مثلًا غسل هذه الأعضاء على الوجه المعتبر في هذا اليوم وإن تحقّق في ضمن الواجب مثل غسل الجنابة وغيره ، فلا يرد أنّ ذلك ممتنع لتضادّ وجهي الوجوب والندب ؛ إذ الواقع إنّما هو الغسل الواجب خاصّة لكن الوظيفة المسنونة تأدّت به ؛ [ وذلك ] :
1 - لصدق الامتثال .
2 - ولما سمعت من الأخبار [ الدالّة على الاجتزاء بغسل واحد عن الجميع ] .
3 - بل عن بعضهم التصريح أنّه تحصل الوظيفة وإن لم يقصدها 4 ، ولا مانع من إعطاء الثواب بذلك ، وله نظائر .
هامش
( 1 ) الوسائل 2 : 17 ، ب 3 من السواك ، ح 4 .
( 2 ) مجمع الفائدة والبرهان 1 : 82 .
( 3 ) 3 ، 4 المدارك 1 : 196 .