تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جواهر الكلام في ثوبه الجديد — صفحة 436

مساهمون:

ص٤٣٦
إذا عرفت ذلك ، فالمتّجه حينئذٍ تفسير القربة بما يظهر من بعضهم من موافقة الإرادة وقصد الطاعة والامتثال ( 1 ) .
شرح
( 1 ) فإنّه حينئذٍ يدلّ عليه جميع ما دلّ على وجوب الإخلاص كتاباً وسُنّة ، كقوله تعالى :( وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ )« 1 » . مضافاً إلى توقّف تحقّق قصد الطاعة والامتثال المأمور بهما في الكتاب والسنّة عليها . لا يقال : إنّ القول باشتراط القربة بالمعنى المتقدّم قد يكون منشؤه الإجماع على وجوبها مع ظهورها في ذلك ، وبه تمتاز عن نيّة غيرها من قصد جلب الثواب أو دفع العقاب . بل ممّا يرشد إليه ما نقل عن ابن طاوس في البشرى أنّه قال : « لم أعرف نقلًا متواتراً ولا آحاداً يقتضي القصد إلى رفع الحدث أو استباحة الصلاة ، لكنّا علمنا يقيناً أنّه لا بدّ من نيّة القربة ، ولولا ذلك لكان هذا من باب اسكتوا عمّا سكت اللَّه عنه » « 2 » انتهى . فإنّ قوله : « ولولا ذلك . . . إلى آخره » ظاهر في إرادة القربة بالمعنى الأوّل [ أي قصد وقوع الفعل تحصيلًا للقرب ] ، وإلّا ففي المعنى الثاني [ أي موافقة الإرادة وقصد الطاعة والامتثال ] لا يكون من باب « اسكتوا عمّا سكت اللَّه عنه » . لأنّا نقول : أمّا دعوى الإجماع على اشتراط نيّة القربة بالمعنى المتقدّم [ أي قصد وقوع الفعل تحصيلًا للقرب إلى اللَّه ] إن لم يكن ممنوعاً فهو محل الشكّ . وما ذكره من كلام ابن طاوس لا دلالة فيه على ذلك ؛ لأنّه قد يكون المقصود منه المعنى الثاني [ أي موافقة الإرادة وقصد الطاعة والامتثال ] . ولولا ما ذكرنا من الأدلّة عليه من توقّف الإطاعة والامتثال وأدلّة الإخلاص التي أفادتنا اليقين بذلك ، لكان من باب « اسكتوا عمّا سكت اللَّه عنه » وهو كذلك . واحتمال القول : إنّه لا فرق معنوي بين المعنى الأوّل للقربة والثاني فيه ما لا يخفى . نعم ، قد يظهر من ابن زهرة في الغنية « 3 » إيجاب معنيي القربة [ أي قصد وقوع الفعل تحصيلًا للقرب إلى اللَّه . والثاني : موافقة الإرادة وقصد الطاعة والامتثال ] . متمسّكاً للأوّل منهما بنحو : أ - قوله تعالى :( اسْجُدْ وَاقْتَرِبْ )« 4 » . ب - وقوله تعالى :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ )« 5 » فإنّ المعنى افعلوا ذلك على رجاء الفلاح . ج‍ - وقوله تعالى :( وَيَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَواتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ )« 6 » . وفيه ما لا يخفى ، بل الإجماع على خلافه ؛ إذ هو مؤدٍ إلى فساد عبادة الأولياء الذين لا يخطر ببالهم ذلك ، فتأمّل .
هامش
( 1 ) البيّنة : 5 . ( 2 ) نقله في الذكرى 2 : 108 . ( 3 ) الغنية : 53 . ( 4 ) العلق : 19 . ( 5 ) الحجّ : 77 . ( 6 ) التوبة : 99 .