. . . . . . . . . .
شرح
نعم ، لا يخفى عليك ما فيه ، لما تقدّم سابقاً [ من الأصل وخلوّ الأدلّة عنه ] .
بل قد يقال : إنّ تلازمهما [ الاستباحة ورفع الحدث ] في الواقع لا يقضي به في قصد المكلّف ، والمقصود الثاني [ أي التلازم بينهما في قصد المكلّف ] ، فإنّه قد يعرف المكلّف اشتراط صحّة الصلاة بهذه الأفعال ، ولا يعرف أنّها رافعة لحكم الحدث من المنع للصلاة ؛ إذ قد يجهل مانعيّته .
فدعوى أنّ قصد الاستباحة يلزمه قصد الرفع ممنوعة . بل قد يمنع التلازم في الواقع أيضاً بحصول الاستباحة ولا رفع ، كوضوء المسلوس والمبطون والمستحاضة ونحوها ، فلا يكتفى بنيّتها عنه .
والقول بأنّه لا فرق معنىً بين الاستباحة ورفع الحدث ؛ إذ الحدث عبارة عن الحالة المترتّب عليها منع الصلاة ، فمتى حصلت الاستباحة ارتفعت .
فيه : أنّ مرجعه إلى نزاع لفظي يأتي التنبيه عليه إن شاء اللَّه تعالى . بل قد يقال بانفكاك الرافع عن المبيح بوضوء الحائض ؛ لرفع حدثها الأكبر مع الغسل [ دون الوضوء ] ، ولا إباحة فيه [ فإنّ المبيح هو الوضوء ] .
وكذا القول بالاكتفاء [ بنيّة الاستباحة عن نيّة رفع الحدث ] ليس لمكان التلازم ، بل لظهور قوله تعالى :( إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ )« 1 » في إرادة : اغسلوا وجوهكم لها ، نحو قولك : إذا لقيت العدو فخذ سلاحك ، أي للقائه ، والأمر يقتضي الإجزاء . إذ فيه : أنّه حينئذٍ لا معنى للاكتفاء بنيّة رفع الحدث كما زعمتم ، وحمل الأمر على الوجوب التخييري مجاز بلا قرينة ، بل لا معنى للتعدّي إلى غير الصلاة ممّا شرط صحّته بالطهارة ، وأولى منه عدم التعدّي لما شرط كماله بها .
[ القول الثالث ] : وممّا سمعت من الآية [( إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ . . . )] يظهر لك وجه من اقتصر على نيّة الاستباحة ، كما لعلّه يظهر من الشيخ في الخلاف « 2 » والمنقول عن المرتضى « 3 » والشيخ في الاقتصاد « 4 » ؛ لاقتصارهما على ذكرها .
لكن فيه :
1 - مضافاً إلى ما سمعت من أنّ الاستباحة والرفع أمران مترتّبان على هذه الأفعال علم المكلّف أو جهل ، فضلًا عن النيّة وعدمها ؛ لكونها من الأوصاف الخارجيّة التي رتّبها الشارع عليها .
2 - إنّ ما ذكر من الآية لا دلالة فيه على وجوب نيّة كونه للصلاة ؛ إذ كونه لها لا يفيد أزيد من توقّف صحّتها عليه ، وأنّه ليس واجباً لنفسه ، وهو لا مدخليّة له فيما نحن فيه .
3 - وما ضربه من المثال بأخذ السلاح ليس بأوضح ممّا نحن فيه [ وهو الآية ] ، بل هما من وادٍ واحد .
والقول بأنّ السيّد إذا قال لعبده : قم لإكرام زيد مثلًا ، لا ريب في أنّه لا يعدّ ممتثلًا إذا قام لا بهذا القصد - لظهور أنّ امتثال هذا التكليف لا يكون إلّا بالقيام مقصوداً به ذلك ؛ لانتفاء المقيّد بانتفاء قيده - [ فهو ] مسلّم .
هامش
( 1 ) المائدة : 6 .
( 2 ) الخلاف 1 : 140 .
( 3 ) نقله في المختلف 1 : 274 .
( 4 ) الاقتصاد : 243 .