. . . . . . . . . .
شرح
وفي بالي أنّ في بعض الأخبار أنّه سئل أحد الأئمّة عليهم السلام عن شيء فأمره به ، ثمّ جاءه في السنة الثانية فسأله عنه ثمّ أمره به ، ثمّ جاءه في السنة الثالثة فسأله عنه فأذن له في تركه « 1 » ، فهناك فهم أنّه مستحب .
بل ممّا يؤيّد ما ذكرنا أنّه لا ريب في أنّ طاعتنا للَّه تعالى على نحو طاعة العبيد لساداتهم ، ومن المقطوع به أنّ أهل العرف لا يعدّون العبد الآتي بالفعل الخالي عن نيّة الوجوب أو وجه الوجوب عاصياً ، بل يعدّونه مطيعاً ممتثلًا ممدوحاً على فعله .
والحاصل : صفة الوجوب والندب من الصفات الخارجة عن تقويم الماهية ، بل هما من المقارنات الاتّفاقية ، ومثلهما القضائيّة والأدائيّة والقصريّة والتماميّة والزمانيّة والمكانيّة ونحو ذلك .
على أنّه كيف يتمّ وجوب نيّة الوجه وعدم استحقاق الثواب إلّا بها كالامتثال ، مع أنّه في كثير من المقامات لا يعرف الفعل أنّه واجب أو مندوب لاشتباه موضوع أو اشتباه حكم ؟ ! مع أنّ القول بالسقوط هنا ممّا لم يرتكبه ذو مسكة ، كالقول بتحقّق الامتثال حينئذٍ ، وقصدهما على سبيل الترديد غير مفيد .
فلا ينبغي الإشكال حينئذٍ في عدم وجوب نيّة الوجوب والندب أو وجههما لا قيداً ولا غاية .
نعم ، نقول بوجوب ذلك حيث يتوقّف عليه التعيين ؛ لعدم حصول الامتثال حينئذٍ إلّا به ، بل لعلّ مراد من اشترط ذلك [ نيّة الوجه ] ذلك [ صورة ما يتوقّف التعيين عليه ] كما يقضي به بعض أدلّتهم .
لكنّك قد عرفت أنّه لا اشتراك في الوضوء يوجب ذلك .
لا يقال : إنّ جميع ما ذكرت أقصى ما يفيد الظنّ بعدم الوجوب ، لكنّه ليس ظنّاً منشؤه آية أو رواية ، بل هو من أمور خارجة عن الأدلّة الأربعة ، مع عدم القول بأنّ كلّ ظنّ حصل للمجتهد حجّة .
لأنّا نقول - بعد إمكان منع ذلك لرجوع بعض ما ذكرنا إلى الأدلّة المعتبرة - : إنّا نمنع عدم حجّية كلّ ظنّ حصل للمجتهد بالنسبة إلى موضوع العبادة ، وإن منعناه في أصل الحكم ؛ لمكان كونها من الموضوعات التي يكتفى فيها بالظنّ ، فتأمّل جيّداً .
بقي شيء ، وهو أنّ اللازم ممّا ذكرنا عدم وجوب نيّتهما [ الوجوب والندب ] ، أمّا لو نوى كلّاً منهما في مقام الآخر جهلًا أو غفلة لا تشريعاً .
ربّما ظهر من بعضهم بطلان الوضوء حينئذٍ .
واحتمل تنزيل كلام المعتبرين لاشتراط نيّة الوجه عليه .
وللنظر فيه مجال ؛ إذ قد يقال : إنّه بعد تحقّق قصد الامتثال بالعبادة وتشخّصها ، والفرض أنّها مطلوبة للشارع مرادة ، فنيّة أنّها واجبة وهي مستحبة أو بالعكس لا يؤثّر في ذلك فساداً . ومثل ذلك جميع الصفات الخارجية التي هي من المقارنات الاتّفاقية بعد تشخيص أصل المكلّف به ، كما هو واضح لمن تأمّل .
نعم ، قد يقال بحصول الإشكال فيما لو جهل جعل صفة الوجوب أو الاستحباب مشخّصة لما زعم تعدّده جهلًا مثلًا كما تقدّمت الإشارة إليه سابقاً ، واللَّه أعلم .
هامش
( 1 ) الوسائل 1 : 279 ، ب 12 من نواقض الوضوء ، ح 9 .