[ انكفاء أحد الإناءين المشتبهين بالنجس ] :
2 - ومنها : أنّه لو انكفأ أحد الإناءين ، فهل يتغيّر الحكم الأوّل أو لا ؟ والظاهر أنّ الحكم عندهم كالأوّل ( 1 ) .
شرح
( 1 ) ولم أعثر على وجود مخالف من أصحابنا ولا نقل عن أحد منهم . نعم ، نقل عن بعض العامّة « 1 » أنّه جوّز الطهارة لأصل الطهارة . وردّه في كشف اللثام بأنّه « لو تمّ لجاز بأيّهما أريد » « 2 » انتهى .
ويمكن أن يقال بالفرق بين المقامين ؛ وذلك لحصول المكلّف به باجتنابه يقيناً في الأوّل [ قبل الانكفاء ] ، فيجب الاجتناب للمقدّمة ، بخلاف الثاني ، فإنّه لا يقين في حصول المكلّف به . لا يقال : إنّه مكلّف باجتناب النجس في الواقع ، ولا يقطع بامتثال هذا التكليف إلّا باجتناب هذا الفرد . قلت : لو تمّ لوجب اجتناب جميع ما احتمل حرمته ووجب الإتيان بجميع ما احتمل وجوبه ؛ لأنّ كلّ إنسان مكلّف بأن يأتي بالواجب ويجتنب المحرّم ، ولا يتمّ ذلك إلّا بإتيان جميع ما احتمل ذلك ، وهو واضح الفساد . نعم ، إنّ الذي نوجبه من باب المقدّمة إنّما هو بعد شغل الذمّة يقيناً بفرد الكلّي ، لا التكليف بنفس الكلّي الذي يحتمل أن يكون هذا فرداً له . وما يقال : إنّ ما ذكرت خرج بالدليل الدالّ على أنّ المراد بفعل الواجب أي ما بلغكم وجوبه ، وباجتناب المحرّم أي ما بلغكم حرمته ، بخلاف ما نحن فيه . لأنّا نقول - مع الغضّ عمّا فيه - : لو سلّم ذلك في الأحكام لم يسلّم في الموضوع ، كالجبن المحتمل حرمته والعبد المحتمل حريّته ونحو ذلك .
فإن قلت : إنّ ذلك كلّه يرجع إلى الشبهة الغير المحصورة ، وهي غير واجبة الاجتناب ، بخلاف ما نحن فيه .
قلت : أيضاً نقول هنا ، فإنّه بانكفاء أحد الإناءين رجع الموجود إلى كونه شبهة غير محصورة ؛ لأوْله إلى كونه نجساً أو غير نجس ، فلا فرق بينه وبين الجبن المحتمل حرمته . فإن قلت : هذا الإناء [ الباقي ] بنفسه كان واجب الاجتناب إمّا للمقدّمة أو للأصل ، فما الذي أزال هذا الوجوب ؟ ! قلت : الذي أزاله هو زوال ما أوجبه ، وهو اليقين بحصول المكلّف به الشخصي ، وقد زال ، فزال ذلك التكليف تبعاً له . فإن قلت : كلام الأصحاب متّفق على خلاف ما ذكرت . قلت : لعلّهم أخذوا ذلك من ظاهر أخبار المقام الآمرة بالإراقة الشاملة للإراقة الدفعية والتدريجية .
وبعد ذلك كلّه ، فالإنصاف أنّه فرق بين ذلك وبين ما ذكرنا من أقسام الشبهة غير المحصورة ؛ وذلك لدوران الجبن الخاصّ بينه وبين سائر الأفراد منه ، بخلاف ما نحن فيه ، فإنّه دائر بين أن يكون هذا النجس أو الذي انكفأ ، فهو وإن لم يعلم وجود المكلّف به شخصاً لكن التكليف بالكلّي موجود ، ولا يحصل اليقين بامتثاله إلّا بذلك ، ولا عسر ولا حرج فيه . فيشكّ في شمول الأدلّة [ المرخّصة ] له أيضاً كما ذكرنا سابقاً .
ومن هنا ينقدح طريق آخر في تقرير المقدّمة غير الطريقين السابقين ؛ بأن نقول : إنّ الشارع كلّفه باجتناب النجس منهما وكان مبهماً بالنسبة إليه ، ولا يتمّ اليقين بامتثال هذا التكليف إلّا باجتناب الباقي منهما . ولعلّه يرشد إلى ذلك الأخبار الآمرة « 3 » بوجوب غسل الثوب جميعه عند العلم بحصول النجاسة فيه وعدم العلم بمكانها خصوصاً ، فإنّها لم تكتفِ بغسل بعض يحتمل كونه هو النجس ، مع أنّه بذلك ينقطع باب المقدّمة ، فتأمّل جيّداً جداً .
هامش
( 1 ) المجموع 1 : 185 .
( 2 ) كشف اللثام 1 : 370 .
( 3 ) انظر الوسائل 3 : 402 ، ب 7 من النجاسات .