. . . . . . . . . .
شرح
نعم ، هو لا يجري في كلّ مقام ؛ إذ من المقطوع به أنّ السيد إذا قال لعبده : « بع » أو « أوجد البيع » ونحو ذلك ، لا يجب عليه استغراق جميع أفراد البيع .
والفرق بينهما : أنّ هذا أمر يحصل امتثاله بالواحد ، وليس وصفاً لاحقاً للطبيعة من حيث هي هي يدور مدارها وجوداً وعدماً ، ومن هذه الجهة لم يقل العلّامة رحمه الله بالعموم في الجميع ، بل في بعض دون بعض .
ولا يخفى أنّ ما نحن فيه من قوله عليه السلام في الجواب عن الدابة حيث تقع في البئر : « ينزح دلاء » من الأوّل [ أي كون الحكم وصفاً للطبيعة ] ؛ فإنّه في قوّة أن يقول : نزح دلاء للدابة ، فحيث توجد هذه الطبيعة ، يوجد هذا التقدير لها ، وإلّا لم يكن تقديراً لهذه الطبيعة ، والتقدير كالتوصيف . وليس المقصود من هذا الأمر التكليف ليتحقّق الامتثال بالواحد ، بل هو من قبيل « اغسل ثوبك من البول » مثلًا ، فإنّه ظاهر في أنّ طبيعة البول موجبة لذلك ، فحيث توجد يوجد هذا الحكم . وكأنّ هذا المعنى هو مراد العلّامة بالعلّية ، أي المناط الذي يوجد بوجودها الشيء ، فتأمّل .
ثمّ قال [ في المدارك ] : « الثالث : قوله : « إنّ الإبل والثور خرجا بما دلّ بمنطوقه على نزح الجميع فيكون الحكم ثابتاً في الباقي » . قلنا : الذي دلّ بمنطوقه على حكم الثور دلّ بمنطوقه على حكم مثله [ وهو قوله عليه السلام : « ثور أو نحوه » ] ، فإن اقتضى الإخراج في أحدهما اقتضاه في الآخر وإلّا فلا » « 1 » انتهى .
قلت : محلّ الكلام الآن في الفرس والبقر ، أمّا الأولى فليس نحوه قطعاً ، وأمّا الثاني فللعلّامة أن يقول كذلك ؛ ولذلك لم يعمل به أحد في ذلك المقام ، وأيضاً لو أراد ذلك لقال عليه السلام : « البقر » . وعلى كلّ حال ، ف « نحوه » من قبيل المجملات ؛ لأنّا لا نعلم ما المراد به ، مع احتمال أن يراد به الثور الوحشي .
[ قال في المدارك ] : « الرابع قوله : « خرج ما استثني بدليل منفصل ، فيبقى الباقي لعدم المعارض » . قلنا : الاستثناء والإخراج بدليل إنّما يكون من الألفاظ العامّة أو ما في حكمها ؛ لأنّ إطلاق اللفظ وإرادة بعض مدلوله معنى مجازي يصار إليه بالقرينة ، والأمور المتعدّدة المدلول على كلّ منها بالمطابقة إذا تعلّق بها حكم واحد ، ثبت ذلك الحكم لكلّ منها على انفراده نصّاً ، فإذا وجد ما ينافي ذلك في بعض المدلولات تعارض الخبران ، ويصار إلى الترجيح لامتناع العمل بهما » 2 انتهى .
قلت :
1 - أمّا مناقشته الأولى فهي مناقشة لفظية ؛ لأنّ محصّلها أنّه كيف يطلق لفظ الاستثناء على مثل ذلك ، مع أنّه قد يطلق عليه ، لا سيّما بعد وضوح القرينة كما هنا .
2 - وقوله : « والأمور المتعدّدة . . . إلى آخره » لا ينافي ما ذكره العلّامة ؛ إذ مراده أنّه خرج باعتبار رجحان المعارض .
3 - على أنّه يمكن صحّة الاستثناء هنا في الجواب ، بأن يقال : ينزح دلاء إلّا للكلب مثلًا فينزح له أربعون .
4 - وأيضاً فالحكم [ أي نزح دلاء ] هنا ليس متعلّقاً بكلّ واحد بانفراده نصّاً ، والمطابقة بين السؤال والجواب لا تقتضي أزيد من الظهور ، فلا يمنع من الاستثناء متّصلًا ومنفصلًا .
هامش
( 1 ) 1 ، 2 المدارك 1 : 71 ، 72 .