. . . . . . . . . .
شرح
فنقول : لا معنى لحمله على الأوّل ، وإلّا لعمّ وهو باطل ؛ لما يأتي ، فيجب حمله على الثاني . فنقول : الألف واللام في الدابة ليست للعهد ؛ لعدم سبق معهود ترجع إليه ، فإمّا أن يكون للعموم كما ذهب إليه الجبائيّان أو لتعريف الماهية على المذهب الحق ، وعلى التقديرين يلزم العموم في كلّ مركوب : أمّا الأوّل فظاهر ، وأمّا الثاني فلأنّ تعليق الحكم على الماهية يستدعي ثبوته في جميع صور وجودها وإلّا لم يكن علّة ، [ و ] هذا خلف ، وإذا ثبت فيه دخل فيه الحمار والفرس والبغل والإبل - والبقر نادراً - غير أنّ الإبل والثور خرجا بما دلّ بمنطوقه على نزح الجميع ، فيكون الحكم ثابتاً في الباقي . فإن قلت : يلزم التسوية بين ما عدّده الإمام عليه السلام .
قلت : خرج ما استثني لدليل منفصل ، فيبقى الباقي لعدم المعارض ، وأيضاً التسوية حاصلة من حيث الحكم بوجوب نزح الدلاء وإن افترقت بالقلّة والكثرة ، وذلك شيء لم يتعرّضا له عليهما السلام . إلّا أنّ لقائل أن يقول : إنّ ما ذكرتموه لا يدلّ على [ لزوم ] بلوغ الكرّية [ في النزح ] . ويمكن التمحّل بأن يحمل الدلاء على ما يبلغ الكرّ ؛ جمعاً بين المطلق والمقيد ، خصوصاً مع الإتيان بصيغة جمع الكثرة .
لا يقال : إن حُمل الجمع على الكثرة استحال إرادة القلّة منه ، وإلّا لزم الجمع بين إرادتي الحقيقة والمجاز ، وإن حُمل على القلّة فكذلك [ استحال إرادة الكثرة ] .
لأنّا نقول :
1 - لا نسلّم استحالة الثاني .
2 - سلّمناه لكن إن حمل على معناه المجازي وهو مطلق الجمع لم يلزم ما ذكرتم .
3 - على أنّ لنا في كون الصيغ المذكورة حقائق أو مجازات في الكثرة نظراً .
وبعض المتأخرين استدلّ بهذه الرواية على وجوب النزح للحمار دون الفرس والبقرة ، وألحقهما بما لم يرد فيه نصّ ، وقد روى مثل هذه الرواية البقباق عن أبي عبد اللّه عليه السلام » « 1 » انتهى . ونقلناه برمّته لما فيه من الفوائد العظيمة الجليلة ، النافعة في المقامات المتعدّدة .
واعترضه في المدارك بثمانية وجوه ، ويمكن للناظر أن يجعل في كلّ من الثمانية ثمانية من النظر ، قال فيها : « الأوّل :
مقتضى كلامه رحمه الله أنّ الدابة حقيقة فيما يركب حيث حمل النصّ عليه ، وهو غير واضح ، وكلام الجوهري لا يدلّ عليه ؛ فإنّ الإطلاق أعمّ من الحقيقة والمجاز ، وقد صرّح بعض محقّقي أهل اللغة بأنّ أكثر اللغات مجازات ، مع ما قد اشتهر أنّ الدابة منقولة إلى ذات القوائم الأربع من الخيل والبغال والحمير ، وذكر جماعة أنّها مختصّة بالفرس . سلّمنا أنّها حقيقة فيما يركب ، لكن البقر إنّما يركب نادراً كما اعترف به ، والألفاظ إنّما تحمل على المعنى المتعارف لا النادر الغير المشهور » « 2 » انتهى .
وفيه :
1 - أنّه مبني على ما هو الظاهر من كلام الجوهري من ذكره المعنيين للدابّة مع التصريح بقوله في الثاني : « اسم » ، ولم يكتف بعطفه على الأوّل ؛ إذ لم يعهد إطلاق لفظ الاسم على المعنى المجازي ، كأن يقال : الأسد اسم للرجل الشجاع .
2 - على أنّ هذا سدّ لباب التمسّك بقول اللغوي من دون ثبوت من خارج ، وفيه ما لا يخفى .
هامش
( 1 ) المنتهى 1 : 74 .
( 2 ) المدارك 1 : 71 .