. . . . . . . . . .
شرح
والحاصل : لا تلازم بين المسألتين . ومن هنا ذهب بعض القائلين بحصول الطهارة بالإتمام إلى عدمها في المقام كما صرّح به ابن إدريس « 1 » ، وصريح المنقول عن المهذّب « 2 » مع قرب ما بين المسألتين فيه . ولعلّ الباعث للقول بالتلازم اشتراك بعض الأدلّة . وفيه ما لا يخفى بعد ما عرفت ، وإلّا لجاء ذلك في كثير من المسائل .
وعلى كلّ حال ، فعمدة أدلّة المشهور [ على عدم التطهير ] الاستصحاب . نعم ، قد يذكر غيره معه في كلام بعضهم « 3 » على جهة التأييد أو الإلزام ، كالقول : إنّ النجاسة ثبتت بواردٍ فلا تزول إلّا بوارد ، بخلاف نجاسة الخمر فإنّها ثبتت بغير وارد فتطهّر بغير وارد [ وهو الانقلاب ] . كما أنّ عمدة ما يستدلّ للمخالف [ على الطهارة ] هو ظهور أنّ علّة النجاسة التغيّر ، فمتى انتفت انتفى معلولها معها . وربّما ايّد بشمول ما دلّ على طهارة غير المتغيّر له .
وربّما نوقش في دليل المشهور بعدم حجّية الاستصحاب ، ولا يخفى فسادها كما بيّن في محلّه . نعم ، قد يناقش بأنّ ما دلّ على النجاسة بالتغيير هو ممّا علّق الحكم فيه على الوصف ، الظاهر في نفي الحكم من غير الموصوف ، فلا يجري الاستصحاب . وقد يجاب بأنّه ليس منه ، بل قد اشتمل بعضها على الشرط ، كقوله عليه السلام : « كلّما غلب » « 4 » ، وقوله عليه السلام : « إن تغيّر » 5 ونحوهما ، وهو متحقّق الصدق وإن زال التغيير . بل يكفي في المطلوب عدم تحقّق صدق العدم ، فلا يكون هناك معارض للاستصحاب ، المؤيّد بالمفهوم من التعليل بالمادة في طهارة البئر بالنزح حتى زال التغيير ، وغير ذلك . سلّمنا ، لكنّه يدلّ على نفي الحكم عن فاقد الوصف ، لا عمّن تلبّس به ثمّ زال عنه . ولا ينافي ذلك كونه [ الدليل ] مشعراً بالعلّية ؛ لأنّه لم يعلم كونه [ التغيّر ] علّة ما دام موصوفاً أو هو علّة في الابتداء والاستدامة ، وهو محلّ الاستصحاب . ومنه يعلم الكلام في مفهوم العلّة المصرّح به . اللّهمّ إلّا أن يفرّق بينهما [ بين الدليلين ] . نعم ، لو دخل بعد سلب الوصف تحت موضوع آخر - كما لو زال السوم عن الغنم ثمّ دخلت تحت المعلوفة - فحينئذٍ يعارض الاستصحاب ما دلّ على حكم المعلوفة ، وأمّا في مثل ما نحن فيه فلا معارض للاستصحاب ؛ لظهور أدلّة [ اعتصام ] غير المتغيّر في الذي لم تلحقه صفة التغيير ، فتأمّل جيّداً . ولا ينافيه أيضاً كون المشتقّ حقيقة في الحال - لو سلّمنا أنّ بعض الأدلّة منه - لأنّا لم نتمسّك بصدق اسم « المتغيّر » عليه ، بل نقطع بعدم الصدق مع القول ببقاء الحكم للاستصحاب . وانتفاء الحكم من حيث عدم صدق المشتق لا ينافي إثباته من حيثية أخرى كالاستصحاب ونحوه ، إذ لا معارضة بينهما .
وكلّ ذلك محلّ للنظر والتأمّل ، فالمسألة لا تخلو من إشكال إن لم يتمسّك بإطلاق بعض الأدلّة ، لكنّه لا محيص عن فتوى المشهور . وبها يقوى الاستصحاب على معارضة غيره ، خصوصاً بعد ما سمعت من الإطلاق المزبور المؤيّد بالمفهوم المذكور ، وبعد عدم وجود لفظ « المتغيّر » عنواناً للحكم ؛ كي يتوهّم منه دوران الحكم عليه وجوداً وعدماً ، مضافاً إلى ما سمعت على تقديره ، واللَّه العالم .
وعلى كلّ حال ، فممّا تقدّم تعرف ما في دليل الخصم وما في تأييده أيضاً ؛ فإنّه معارض بإطلاق ما دلّ على الاجتناب مع التغيير ، على أنّها ظاهرة في الذي لم يتغيّر أصلًا لا في ما تغيّر ثمّ زال تغييره ، فتأمّل .
هامش
( 1 ) السرائر 1 : 62 .
( 2 ) المهذّب 1 : 23 .
( 3 ) المنتهى 1 : 64 .
( 4 ) 4 ، 5 الوسائل 1 : 137 ، 138 ، ب 3 من الماء المطلق ، ح 1 ، 3 .