تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جواهر الكلام في ثوبه الجديد — صفحة 60

مساهمون:

ص٦٠
. . . . . . . . . .
شرح
وربّما ظهر من شيخ الطائفة في التهذيب والخلاف الاستدلال بهذا الطريق . قال في الأوّل : « والطهور هو المطهّر في لغة العرب ، فيجب أن يعتبر كلّ ما يقع عليه الماء بأنّه طاهر مطهّر إلّا ما قام الدليل عليه على تغيّر حكمه ، وليس لأحد أن يقول : إنّ الطهور لا يفيد في لغة العرب كونه مطهّراً ؛ لأنّ هذا خلاف على أهل اللغة . فإن قال قائل : كيف يكون الطهور هو المطهّر ، واسم الفاعل منه غير متعدٍّ ، وكلّ فعول ورد في كلام العرب متعدّياً لم يكن متعدّياً إلّا وفاعله متعدٍّ ؟ قيل له : هذا كلام من لم يفهم معاني الألفاظ العربية ؛ وذلك أنّه لا خلاف بين أحد من أهل النحو : أنّ فعولًا موضوع للمبالغة وتكرّر الصفة » « 1 » ، وعدم حصول المبالغة على ذلك الوجه لا يستلزم عدم حصولها بوجه آخر وهو هنا باعتبار كونه مطهّراً ، ثمّ ذكر المنع المتقدّم الذي نقلنا عنه سابقاً . وقال في الخلاف : « عندنا أنّ الطهور هو المطهّر المزيل للحدث والنجاسة وبه قال الشافعي ، وقال أبو حنيفة والأصم : الطهور والطاهر بمعنى واحد . دليلنا : هو أنّ هذه اللفظة وضعت للمبالغة ، والمبالغة لا تكون إلّا فيما يتكرّر فيه الشيء الذي اشتق الاسم منه ، ألا ترى أنّهم يقولون : فلان ضارب ، إذا ضرب ضربة واحدة ، ولا يقال : ضروب ، إلّا بعد أن يتكرّر منه الضرب ، وإذا كان كونه طاهراً ممّا لا يتكرّر ولا يتزايد فينبغي [ أن يكون كونه طهوراً لما يتزايد ] « 2 » ، والذي يتصوّر التزايد فيه أن يكون مع كونه طاهراً مطهّراً مزيلًا للحدث والنجاسة ، وهو الذي نريده . . . إلى آخره » 3 انتهى . وربّما أورد عليه بعض المتأخرين : بأنّ هذا إثبات اللغة بالاستدلال « 4 » ، وهو غير جائز . وقد يظهر من بعض هؤلاء إنكار استعمال طهور وصفاً ، نعم سلّم استعماله في اسم الآلة ، أي لما يتطهّر به كالوضوء لما يتوضّأ به والسحور وغير ذلك . وفيه : 1 - أنّه قد يكون مراد الشيخ التأييد بذلك ، وإلّا فالمعتمد ما نقله أوّلًا عن أهل اللغة [ أي المطهّر ] وإن كان ظاهر قوله في الخلاف : « دليلنا . . . إلى آخره » ينافي ذلك . 2 - أو يكون مراده ما ذكرناه سابقاً من الاستناد إلى الفهم العرفي بعد تعذّر المعنى الحقيقي ، فتأمّل جيّداً . 3 - وأمّا إنكاره مجيء « فعول » وصفاً ، فهو كأنّه مخالف للمجمع عليه بينهم ، وأبو حنيفة وأصحابه لم ينكروا ذلك ، بل أنكروا وصفيته بمعنى مطهّر لا أصل الوصفية . ولذلك قال في المصابيح : إنّه لا خلاف في مجيئه وصفاً ، وإنّما الخلاف في تعيين المراد منه حينئذٍ ، فهل [ المراد ] الطاهرية أو هي مع المطهّرية ؟ « 5 » لا يقال : إنّ وجه المبالغة غير منحصر في ذلك ، فإنّ الطهارة قابلة للزيادة والنقصان كالوضوء بالآجن والمشمّس . لأنّا نقول : إنّ رفع الحدث معنى واحد لا يختلف ، وكراهة استعمال بعض المياه لا يقتضي نقصاً فيها . نعم ، قد يقال : إنّه - بناءً على أنّ المراد بالطهارة المعنى الذي يحصل في نفس المكلّف من القرب إلى اللَّه - تكون قابلة للزيادة والنقيصة من جهة القرب والأقربية . وأنت خبير أنّ العمدة في الاستدلال إنّما هو النقل والتبادر لا هذه الوجوه ، فتأمّل جيّداً .
هامش
( 1 ) 1 ، 3 التهذيب 1 : 214 . الخلاف 1 : 49 . ( 2 ) في الجواهر : « فينبغي كون طاهراً طهوراً لما لا يتزايد » . ( 4 ) المدارك 1 : 27 . ( 5 ) مصابيح الأحكام : 12 .