. . . . . . . . . .
شرح
وعن المصباح المنير ، قال : « وطهور ، قيل : هي مبالغة وأنّه بمعنى طاهر ، والأكثر أنّه لوصف زائد ، قال ابن فارس : [ قال ثعلب : ] الطهور هو الطاهر في نفسه المطهّر لغيره ، وقال الأزهري : الطهور في اللغة هو الطاهر المطهّر . . . وقوله عليه السلام : « هو الطهور ماؤه » ، أي هو الطاهر المطهّر ، قاله ابن الأثير » « 1 » .
وفي القاموس : « الطهور المصدر واسم ما يتطهّر به أو الطاهر المطهّر » « 2 » انتهى .
وعن الزمخشري : أنّه حكاه عن أحمد بن يحيى « 3 » ، وعن المُغرب : أنّه حكاه عن ثعلب « 4 » .
وفي المصابيح - للسيد المهدي - : « أنّ المشهور بين المفسّرين وأصحاب الحديث والفقهاء وأئمّة اللغة أنّه بمعنى المطهّر أو الطاهر المطهّر » « 5 » انتهى . فظهر لك من جميع ما ذكرنا : أنّه لا ينبغي الشكّ في استعمال طهورٍ في ذلك [ أي المطهّر ] .
فما نقل عن أبي حنيفة والأصم وأصحاب الرأي « 6 » من إنكار ذلك وجعله بمعنى الطاهر لا غير ، مستدلّين :
1 - بأنّ « فعول » الذي للمبالغة لا يكون متعدّياً .
2 - وبوروده لهذا المعنى كما في قول الشاعر : « ريقهنّ طهور » ، وقوله تعالى :( وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً )« 7 » .
غير صحيح ؛ لما عرفت ، على أنّ ذلك لا ينافي ما ذكرنا أيضاً ؛ إذ كما أنّ استعماله بمعنى فاعل على تقدير تسليمه غير مطّرد ، فإنّه لا يقال : ثوب طهور وخشب طهور ونحو ذلك ، فكذا ما نحن فيه [ أي استعماله بمعنى المطهّر ] ، فتأمّل .
نعم ، قد يقال : إنّه توقيفي لا يقتضيه القياس من جهة أنّ « فعول » الذي هو للمبالغة لا يكون متعدّياً واسم الفاعل منه غير متعدٍّ ، ولا ريب أنّ « طاهراً » لا يتعدّى .
ومن هنا اعترف في المعتبر وكنز العرفان « 8 » : أنّ كلام أبي حنيفة موافق لمقتضى القياس اللغوي غير موافق لمقتضى الاستعمال ؛ لما عرفت . وما في التهذيب - بعد أن أورد الدليل لأبي حنيفة من أنّه لا يكون « فعول » متعدّياً والفاعل منه غير متعدٍّ - قال : « إنّه غلط ؛ لأنّا وجدنا كثيراً ما يعتبرون في أسماء المبالغة التعدية وإن كان اسم الفاعل منه غير متعدٍّ ، ألا ترى إلى قول الشاعر :حتى شآها كَلِيلٌ مَوْهِناً عَملٌ * باتتْ طِراباً وباتَ الليلَ لم ينَمِفعدّى « كليل » إلى « موهناً » وكان اسم الفاعل منه غير متعدٍّ ، وهذا كثير في كلام العرب » « 9 » انتهى .
ولعلّه لا ينافي ما ذكرنا ؛ لكون مثل ذلك - بعد تسليم أنّه ممّا نحن فيه - لا يثبت أنّه قياسي ، وكيف ! وهو من المعلوم أنّ « فعولًا » للمبالغة في مادة فاعل ، فهو تابع له .
هامش
( 1 ) المصباح المنير : 379 .
( 2 ) القاموس المحيط 2 : 82 .
( 3 ) الكشّاف 3 : 95 . وثعلب هو لقب أحمد بن يحيى .
( 4 ) المغرب : 295 .
( 5 ) مصابيح الأحكام : 12 .
( 6 ) المجموع 1 : 84 .
( 7 ) الدهر : 21 .
( 8 ) المعتبر 1 : 36 . كنز العرفان 1 : 38 .
( 9 ) التهذيب 1 : 215 .