. . . . . . . . . .
شرح
[ الطريق الثاني ] : نعم ، هنا مسلك آخر لإفادته التطهير لا من جهة الوضع اللغوي ، فيقال : إنّه لمّا كان مثل ذلك موضوعاً للمبالغة الحاصلة من التكرار كضروب - فإنّه لا يقال إلّا بعد حصول التكرار - وكانت صفة الطهارة الشرعية غير قابلة للزيادة والنقيصة كان معنى المبالغة منصرفاً إلى المطهّرية حتى يكون لها وجه مناسب .
وقد ارتكب هذا الطريق جماعة ، بل ربّما أضافوه إلى النقل عن اللغة ، وليس هذا من باب إثبات اللغة بالاستدلال ، بل هو إثبات المراد باللفظ بواسطة الفهم العرفي ، من قبيل حمل اللفظ على أقرب المجازات بعد تعذّر الحقيقة .
قال الزمخشري - على ما نقل عنه - في الكشّاف : « طهوراً أي بليغاً في طهارته ، وعن أحمد بن يحيى : هو ما كان طاهراً في نفسه مطهّراً لغيره ، فإن كان ما قاله شرحاً لبلاغته في الطهارة كان سديداً ، ويعضده قوله تعالى :( وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ )« 1 » ، وإلّا فليس فعول من التفعيل في شيء » « 2 » انتهى .
وقال في المُغرب - على ما نقل عنه - : « وما حكي عن ثعلب - أنّ الطهور ما كان طاهراً في نفسه مطهّراً لغيره - إن كان مراده [ زيادة ] « 3 » بيان لنهايته في الطهارة فصواب حسن ، وإلّا فليس فعول من التفعيل في شيء ، وقياس هذا على ما هو مشتق من الأفعال المتعدّية كقطوع ومنوع غير سديد » « 4 » انتهى .
وعن الطراز : « أنّ فعولًا ليس من التفعيل في شيء ، وقياسه على ما هو مشتق من الأفعال المتعدّية كمنوع وقطوع غير سديد ، إلّا أن يكون المراد بذلك بيان كونه بليغاً في الطهارة فهو حسن صواب ؛ إذ كانت الطهارة بنفسها غير قابلة للزيادة ، فمرجع الزيادة إلى انضمام التطهير ، لا أنّ اللازم قد صار متعدّياً » « 5 » انتهى .
قال السيد المهدي في المصابيح : « فهؤلاء وهم عمدة القائلين بخروج التطهير عن معنى الطهور اعترفوا بدلالته عليه باللزوم من جهة المبالغة ، ولعلّ غيرهم لا يمنع ذلك ، فإنّ الدلالة بهذا الوجه ليس لدخوله في الموضوع له ، فلا ينافي القول بخروجه عنه » « 6 » انتهى .
قلت : قد يظهر بعد التأمّل في كلام هؤلاء أنّ مرادهم - بعد معرفة كون الماء بهذا الوصف الذي لم يخالف فيه أحد من المسلمين ، بل هو من جملة ضروريات الدين - [ أنّه ] يحمل لفظ الطهور المراد منه المبالغة عليه بعد تعذّر المعنى الحقيقي ، لا أنّه لو لم يعلم كون الماء بهذا الحال واطلق لفظ الطهور عليه مع عدم تسليم كونه بمعنى المطهّر يستفاد منه ذلك من جهة المبالغة التي لا تصحّ بدونه ، والمفيد تسليمه إنّما هو الثاني لا الأوّل ، فتأمّل جيّداً .
هامش
( 1 ) الأنفال : 11 .
( 2 ) الكشّاف 3 : 95 .
( 3 ) من المصدر .
( 4 ) المغرب : 295 .
( 5 ) نقله في مصابيح الأحكام : 14 .
( 6 ) مصابيح الأحكام : 14 .