وقوله : « والتمكين من أنفسهم . . . » إلى آخره صريح في المطلب .
ومنها : ما ذكره بعده في آخر الكتاب في مقام الاستدلال بأنّ للحاكم التعويل على علمه في الحكم في جميع الأشياء حيث قال :
وأمّا ما يوجب الحدود فالصحيح من أقوال طائفتنا وذوي التحصيل من فقهاء عصابتنا لا يفرّقون بين الحدود وغيرها من الأحكام الشرعيّات في أنّ للحاكم النائب من قبل الإمام أن يحكم فيها بعلمه ، كما أنّ للإمام ذلك ، مثل ما سلف في الأحكام التي هي غير الحدود ؛ لأنّ جميع ما دلّ هناك هو الدليل هاهنا ، والفرق بين الأمرين مخالف مناقض في الأدلّة .
وذهب بعض أصحابنا إلى أنّ ما يوجب الحدود فإن كان العالم بما يوجبه الإمام فعليه الحكم بعلمه ؛ لكونه معصوما مأمونا ، وإن كان غيره من الحكّام الذين يجوز عليهم الكذب ، لم يجز له الحكم بمقتضاه ، وتمسّك بأن قال : لأنّ إقامة الحدّ أوّلا ليست من فروضه ، ولأنّه بذلك شاهد على غيره باللواط والزنى أو غيرهما ، وهو واحد ، وشهادة الواحد بذلك قذف يوجب الحدّ وإن كان عالما .
يوضح ذلك أنّه لو علم ثلاثة نفر غيرهم زانيا لم يجز لهم الشهادة عليه ، فالواحد أحرى أن لا يشهد عليه .
قال محمّد بن إدريس مصنّف هذا الكتاب : وما اخترناه أوّلا هو الذي تقتضيه الأدلّة ، وهو اختيار السيّد المرتضى ( قدّس الله تعالى روحه ) في انتصاره ، واختاره شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه ، وغيرهما من الجلّة المشيخة ، وما تمسّك به المخالف لما اخترناه فليس فيه ما يعتمد عليه ولا ما يستند إليه ؛ لأنّ جميع ما قاله وأورده يلزم في الإمام مثله حرفا فحرفا .
فأمّا قوله : إقامة الحدود ليست من فروضه ، فعين الخطأ المحض عند جميع الأمّة ؛ لأنّ الحكّام جميعهم هم المعنيّون بقوله تعالى :
وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما
وكذلك قوله تعالى :
الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ
إلى غير ذلك من الآيات « 1 » . انتهى .
هامش
( 1 ) . السرائر 3 : 545 - 546 .