لغة وعرفا عن الحقيقة بمجرّد هذه القرينة ، مشكل .
وكذلك الأمر في المدرسة ، فإنّ المسلم الّذي خلا عن العصبيّة غرضه في الوقف تحصيل الثواب ، ولا ريب أنّ تحصيل العلوم ممّا يصل نفعه إلى كافة العباد ، سيّما ما كان من الآليّات المشتركة بين جميع المذاهب ، الموجبة لفهم السنة والكتاب .
فالجزم بأنّ الواقف من أهل السنّة لمدرسة ، لا يرضى بأن يجلس فيه واحد من الشيعة لأجل أنّه عدوّه ، أو لأجل أنّه يحصل مسألة الإمامة ويسعى في تخريب مذهبهم أو بالعكس ، ممّا لا يتعاطاه العرفاء والعلماء والصلحاء من العوام ؛ إذ يجوّزون أن يقرأ مبتدئوهم في العلوم علم التصريف والنحو والمعاني والبيان عند عالم من الشيعة ، بل يرضون أشدّ الرضا ، سيّما إذا لم يوجد هناك عالم من أهل السنّة ، وكذلك بالعكس . فليس محض كون باني المدرسة سنيّا يعني عدم رضاه بجلوس الشيعي فيها ولا بالعكس . غاية الأمر عدم رضا أحدهما بالسعي في إبطال مذهب الآخر ، وهذا لا يوجب عدم الرضا بأصل السكنى ، سيّما إذا لم يكن أحد يسكن فيها ، فإنّه باعتقاده طالب للثواب ، ومراده التسبيب لإيجاد ما هو خير وثواب ، وما هو معصية باعتقاد الباني ، فمؤاخذته على المخالف الساكن فيه . وما يفعله من موجبات الخير ، فيصل ثوابه إلى الباني .
[ وجوه جواز سكنى الطلبة في المدرسة المجهول واقفها وصحة عباداتهم فيها ]
إذا تمهّدت لك هذه المقدّمات ، فنقول : الظاهر أنّ المدرسة المفروضة يجوز لطلبة الشيعة سكناها والاشتغال بالتحصيل فيها ، وتصحّ صلاتهم وعباداتهم فيها لوجوه :
[ الوجه ] الأوّل :
أنّها وقف على الطلبة جزما ، غاية الأمر أنّ من المدارس ما يختصّ بفرقة بجعل الواقف دون فرقة ، لا يجوز التعدّي عن مقتضى غرض الواقف ؛ لأنّ الوقف على ما وقف عليه الواقف ، بالنصّ .
ففعل المكلّف المتعلّق بالمدارس هو السكون فيها والاشتغال بما فيه حلال وحرام ؛ لأنّ بعضها ممّا عيّنها الواقف لفرقة دون أخرى ، فلا يجوز للفرقة الأخرى التصرّف فيها ، وبعضها ممّا أطلق فيها الواقف ، فيجوز التصرّف فيها للجميع .