لا ينجس مطلقاً ، فلو كان التفسّخ فيها محمولًا على التغيير ، لزم الحكم بطهارة الزائد على الراوية ، وإن تغيّر ، وذلك مخالف لإجماع المسلمين كافّة .
ولاستثناء التغيير في الرائحة في قوله عليه السلام : « إذ كان الماء أكثر من راوية لا ينجّسه شيء ، تفسّخ فيه أم لم يتفسّخ ، إلّا أن يجيء له ريح يغلب على ريح الماء » ؛ فإنّه صريح في أنّ التغيير غير مراد من لفظ التفسّخ .
ولقد أبعد الشيخ رحمه الله في التهذيب « 1 » في توجيهه هذه الرواية ، حيث حمل الراوية فيها على ما كان قدر الكرّ ، وخصّ النهي عن الوضوء والشرب بما إذا تغيّر الماء . ويتوجّه عليه مع ما تقدّم ، أنّه لو كان المراد من الراوية مقدار الكرّ ، لم يكن بينها وبين ما زاد عليها فرق في الحكم ، مع أنّ الرواية صريحة في الفرق بينهما .
وأقصى ما يمكن أن يقال في توجيهه : أنّ تفسّخ الميتة فيما كان بقدر الكرّ يقتضي تغيّر جزء منه ، فينجس ذلك بالتغيير والباقي بالملاقاة ؛ لكونه أقلّ من الكرّ ، فلا يعصم نفسه عن الانفعال ، بخلاف ما كان أكثر من الكرّ ، فإنّه يختصّ المتغيّر منه بالتنجيس لو كان الباقي كرّاً .
ومنه يعلم الفرق بين الراوية وما زاد عليها ، حيث حكم في الراوية بالنجاسة على تقدير التفسّخ ، وفي ما زاد عليها بالطهارة ، وإن حصل التفسّخ . وأنت خبير بأنّ ذلك - مع ما فيه من التعسّف الظاهر - لا يتأتّى القول به في مثل الجَرّة « 2 » ، والقِربة « 3 » ، وما
هامش
( 1 ) . التهذيب 1 : 437 ، الزيادات في باب المياه ، ذيل الحديث 17 .
( 2 ) . الجَرّة : إناء من خزفٍ كالفَخّار . لسان العرب 2 : 244 ، « جرر » .
( 3 ) . القِربة : من الأساقى ، الوَطَب من اللبن ، وقد تكون للماء ، وقيل : هي المخروزة من جانب واحد . لسان العرب 11 : 86 ، « قرب » .