في الجاهلية لكن بعد الاجماع على أنه محرّم لا يبعد ان يستفاد منها الحرمة خصوصا مع قرينة تعقّبه بالعفو والمغفرة فتأمل
قوله فلا يتعيّن كونه عن هذا الذنب
لا يخفى ان وصفه تعالى بالوصفين بعد ذكر هذا الذنب ظاهر في العفو عنه والمغفرة له وتخصيصه بما عداه بعيد فالظاهر في الرّد عليه ان يقال إن هذا الوصف لا يفيد الا المنع عن الياس بالكليّة بعده والبعث على الرجاء معه في الجملة امّا مع التوبة أو لاحتمال العفو والمغفرة عنه بدونها أيضا في بعض الافراد مطلقا لا الجزم بالعفو والمغفرة عنه مطلقا كيف ونظائر ذلك كثيرة مثل قوله تعالى
وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً
مع أنه لم يقل أحد فيها بتحتم المغفرة عن الذّنب المذكور وامّا ما قيل من أن الجزم بالعفو عن شيء ينافي تحريمه كما هو واضح ويمكن دفعه بمنع وضوح المنافاة إذ يكفى في تحريم شيء كونه سببا لاستحقاق الذم والعقاب وان عفا عنه العفوّ الغفور فتدبر وروى في الكافي رواية طويلة عن حمران عن أبي جعفر عليه السلام وفيها انّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله قال للرّجل الذي ظاهر اوّلا انّك قد قلت منكرا من القول وزورا قد عفا اللّه عنك وغفر لك فلا تعد فانصرف الرجل وهو نادم على ما قال لامرأته وكره اللّه ذلك للمؤمنين بعد فانزل اللّه عز وجلّ
وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ
لما قالوا ما قال الرجل الأول لامرأته أنت علىّ حرام كظهر امّى قال فمن قالها بعد ما عفا اللّه وغفر للرجل الأول فان عليه تحرير رقبة الآية فجعل اللّه عقوبة من ظاهر بعد النهى هذا الحديث وربما يستفاد منه انّ قوله تعالى
لَعَفُوٌّ غَفُورٌ
في هذه الآية إشارة إلى عفوه عن الرجل الأول ومغفرته له لأنه فعله قبل ورود النهى وليس بمطلق فلا تغفل
قوله ونحوه
كمنّى أو عندي أو لدىّ أو محذوف الصّلة اى بدون لفظ علىّ واشباهه وفي السرائر استشكل وقوعه مع حذف الصّلة ولعلّ وجهه كما ذكره في شرح الشرائع ان مع ترك الصّلة يحتمل الحمل على أنها محرّمة على غيره حرمه ظهر امّه عليه واستبعده السّيد المحقق رحمه الله في شرح فع لظهوره في الحرمة عليه وفجرد الاحتمال لا ينافي الظهور وفيه انه لا دليل على ترتب الاحكام بمجرد الظهور لكونها مخالفة للأصل فينبغي الاقتصار فيها على موضع القطع وهو مع صراحة الصيغة كما هو مورد النصوص فتأمل
قوله ومحرمات الرضاع مطلقا
اى حتى الأم
قوله مع أن ظاهر الآية وسبب الحكم
اما الأول فلقوله تعالى
ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ
إذ الظاهر من التخصيص بنفي كونهنّ امّهاتهم ان التشبيه في الظهار يظهر الأمّ وامّا الثاني فلان نزول الآية على ما في الكشاف كان في خولة بنت ثعلبه امرأة أوس بن الصّامت رآها وهي تصلّى وكانت حسنة الجسم فلما سلّمت راودها فأبت فغضب وكان به خفّة ولمم فظاهر منها فاتت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله فقالت إن اوساٌ تزوّجنى وإذا شابّة مرغوب في فلما خلا منى ونثرت بطني اى كاثر ولدي جعلني عليه كامّه وقد روى وجّه النزول في الكافي والفقيه أيضا على اختلاف مع اتفاقهما على أنه اتى بالظهار بالتشبيه بظهر امّه تركنا ذكر الروايتين لطولهما فمن أراد الوقوف عليهما فليرجع اليهما
قوله صحيحتا زرارة وجميل
رواية زرارة رواها في الكافي في الحسن بإبراهيم بن هاشم عن ابن محبوب وفي الفقيه والتهذيب عن الحسن بن محبوب بحذف الاسناد لكن طريق إلى الحسن صحيح وكذا طريق الشيخ اليه فيما اخذه من كتبه ومصنّفاته والا فحسن وامّا رواية جميل فليست في الفقيه وفي الكافي والتهذيب حسنته بإبراهيم بن هاشم فكأنه عدّها صحيحة لكونها في حكمها أو تغليبا فلا تغفل
قوله بالأم النسبية
وجه الاستشهاد للتّخصيص بالامّ ظاهر كما أشرنا اليه وامّا وجه تخصيصها أيضا بالنسبيّة فهو تتمة الآية وهو قوله تعالى
إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ
إذ الظاهر منها ان الأمّ المشتبه بها هي التي ولدته وهي النسبية
قوله بالأخبار الصحيحة
اى الخبرين المذكورين إذ لم أقف على خبر صحيح في المسألة غيرهما نعم روى في الكافي رواية أخرى عن يونس عن بعض رجاله عن أبي عبد اللّه عليه السلام وفيها ما يوافق الروايتين لكنها مع ارسالها ليست بصحيحة
قوله لأن عدم ذكره لغيرهن إلى آخره
يعنى ان الصحيحة المذكورة لا تدل الا على أنه تعالى لم يذكر غير الأمّهات وهو لا يدل على الاختصاص بهنّ ونحن لا نثبت الحكم في غيرهنّ بالآية فينا فيه الرّواية بل بالرّوايتين المذكورتين ولا يتوهم انه لا بدّ من حمل جوابه عليه السلام على أنه لا اعتداد بمثل هذا الظهار لأنه لم يذكره تعالى لان السؤال وقع عن حكم هذا الظهار وإذا لم يحمل الجواب عليه فلا يعلم حكمه ويلزم تأخير البيان عن وقت الحاجة مع احتياج السّائل والا فعن وقت الخطاب وذلك لأنه عليه السلام أجاب بحرمة هذا القول فيحتمل ان كان مقصود السّائل السؤال عن حرمته وعدمها وعلم عليه السلام قصده فاجابه بما استفاد منه مقصوده وليس في السؤال ما يدل على مقصوده منه وانه يترتب الاحكام على مثل هذا الظهار وعدمه حتى يلزم تأخير البيان لو لم يحمل الجواب على ما ذكر هذا ما ذكره الشارح رحمه الله ويمكن ان يقال أيضا انه على تقدير ان يكون المقصود السؤال عن ترتب الاحكام وعدمه لعل السّائل استفاد مقصود من جوابه عليه السلام بان هذا لحرام لاحتمال علمه بان كل ظهار حرام يترتب عليه الاحكام فيرجع جوابه عليه السلام إلى أن هذا وان لم يذكر في الكتاب لكنه أيضا حرام محرّم مثل ما ذكر في الكتاب وحينئذ فهذه الرّواية أيضا توافق الروايتين وفي شرح النافع نقل عن ابن إدريس تخصيص الحكم بالأمّ وانه استدلّ له بصحيحة سيف ثمّ قال وهذه الرواية غير دالة على المط بل هي بالدلالة على نقيضه أشبه فان الظاهر من قوله عليه السلام وان هذا لحرام انه ظهار محرم وان لم يكن ذكره اللّه في كتابه ولا يخفى انه ان قرء المحرّم في كلامه بالفتح فهو كما ترى وان قرء بالكسر فدعوى ظهور الرواية فيه غير ظ نعم لا يبعد جدا حملها عليه كما ذكرنا فتأمل
قوله مثلها في قوله تعالى
يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ
كون من فيه بمعنى الباء منقول عن يونس قال ابن هشام والظاهر أنها للابتداء والظاهر أن كلا منهما محتمل فإنه ان حمل على أن الطّرف آلة فمن بمعنى الباء كما نقل عن يونس وان حمل على أن ابتداء النظر وقع من الطّرف كما قال البيضاوي اى يبتدئ نظرهم إلى النّار من تحريك لاجفانهم ضعيف كالمصبور ينظر إلى السّيف فمن لابتداء الغاية كما قاله ابن هشام فهما معنيان متغايران يستقيم حمل الكلام على كل منهما ولا بعد في شيء منهما لكن لا يخفى انه إذا جعل بمعنى الباء فالظاهر على ما ذكرنا ان يكون بمعنى باء الاستعانة لا السّببية كما يظهر مما ذكره الشارح رحمه الله وأيضا إذا جعل من في الخبر بمعنى باء السّببية فهي التعليلية التي ذكرها أو لا كما يظهر بالنظر إلى المثالين اللذين أوردهما فليس وجها آخر ويمكن دفع الأول بان يقال إنه في الآية إذا جعل من بمعنى الباء فهي وان كانت بمعنى باء الاستعانة لكنها في الخبر إذا جعلت بمعنى الباء فالظاهر أن يجعل بمعنى باء السّببية فهو رحمه الله حملها في الخبر على السّببية لا في الآية ودفع الثاني بان التعليلية فيما أورده من المثالين وان كانت بمعنى السّببية لكن التعليلية اعمّ منها لشمولها ما يدخل على العلة بمعنى الغاية بخلاف السّببية وعلى تقدير حمل من في الخبر على التعليلية يجعلها من هذا القبيل كما أشار اليه بقوله لأجل الرضاع