في الاخبار ما يدلّ عليه وذكر الشارح رحمه الله في شرح الشرائع انه انما تعتد من حين البلوغ حيث تجهل وقته على تقدير الجهل به بكل وجه فلو ثبت طلاقه في بلد ولم يعلم الوقت لكن علم أن وصول هذا الخبر من ذلك البلد لا يمكن في أقل من مدة كذا احتسب تلك المدة ويختلف ذلك بقرب البلاد وبعدها وسرعة حركة المخبر وبطؤها وبالجملة فكل وقت يعلم تقديم الطّلاق عليه يحتسب من العدّة وما ذكره وان كان خلاف ظاهر الاخبار لكنه قريب من حيث الاعتبار ولعلّه يمكن تنزيلها أيضا عليه بان تحمل إقامة البيّنة على أنها طلقت في يوم معلوم على ما يعم كونها مطلقة في يوم معلوم بناء على شهادتهم وان لم يكن يوم وقوع الطلاق فتأمل
قوله وقيل تشتركان في الاعتداد من حين بلوغ الخبر
هذا قول أبى الصّلاح على ما نقله عنه في المختلف وشرح الشرائع محتجا بكون العدة من عبادات النساء وافتقار العبادة إلى نيّة تتعلّق بابتدائها وفيه مع اندفاعه بالأخبار المستفيضة على ما نقلنا منع كون العدة عبادة ثمّ كون كل عبادة مفتقرة إلى نيّة وامّا ما ذكره الشارح رحمه الله من أن به روايات فكأنه اشتباه منه رحمه الله إذ ليس في الروايات ما يدل عليه أصلا ولم يحتج له أحد بالرّواية نعم هاهنا قول آخر ذهب اليه ابن الجنيد على ما نقله في شرح الشرائع وهو التّسوية بينهما في الاعتداد من حين الموت والطلاق ان علمت الوقت والا فمن حين يبلغهما فيهما ويدلّ عليه من الروايات ما رواه في التهذيب عن الحسن بن زياد قال سألت أبا عبد اللّه عليه السلام عن المطلقة يطلقها زوجها فلا تعلم الا بعد سنة والمتوفى عنها زوجها ولا تعلم بموته الا بعد سنة قال إن جاء شاهدان عدلان فلا تعتدان والا تعتدان وما رواه في الصحيح عن عبد اللّه عن الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال قلت له امرأة بلغها نفى زوجها بعد سنة أو نحو ذلك قال فقال ان كانت حبلى فاجلها ان تضع حملها وان كانت لست بحبلى فقد مضت عدتها إذا قامت لها البيّنة انه قد مات في يوم كذا وكذا وان لم تكن لها بيّنة فلتعتد من يوم سمعت ولا يخفى انه يمكن الجمع بين الاخبار بحمل الاعتداد من حين البلوغ في الروايات السابقة في المتوفى عنها زوجها على الاستحباب وعلى هذا فقول ابن الجنيد لا يخلو عن قوة لصحة الرواية الأولى خصوصا على ما هو المشهور بين الأصحاب من أن ترك الحداد عمدا وان حرم لا يخل بالعدّة ولا يوجب استينافها لكن مع كثرة الروايات الأولى مع صحة بعضها وكونها معللة ومعاضدتها بالاحتياط وشهرة العمل بها بين الأصحاب شهرة عظيمة حتى أن ابن إدريس رحمه الله في السرائر ادعى عدم الخلاف بين أصحابنا في أن عدة الوفاة من حين بلوغ الخبر ونقل ذهاب بعض أصحابنا إلى أن حكم المطلقة أيضا كذلك لكن المش المعوّل عليه الفرق ويشكل الجرأة على خلاف ظاهرها وقال الشيخ رحمه الله في التهذيب هذان الخبر ان شاذّان نادر ان مخالفان للأحاديث كلها والتفصيل الذي تضمن الحديث الأخير يخالفه أيضا الخبر المتقدم ذكره عن أبي الصّلاح الكناني لأنه قال تعتد من يوم يبلغها قام لها البيّنة أو لم تقم فلا يجوز العدول عن الأخبار الكثيرة إلى هذين الخبرين على أنه يجوز ان يكون الراوي وهم فسمع حكم المطلقة فظنّ انه حكم المتوفى عنها زوجها لان التفصيل الذي يتضمنه الخبر الأخير اعتبار قيام البيّنة وانقضاء العدة عند وضع الحمل وغير ذلك كله معتبر فيهما وعلى هذا التأويل لا تنافى بين الاخبار انتهى وأنت خبير بان مخالفة الخبرين للاخبار السّابقة ليس الا باعتبار ما فيهما من التفصيل وانه إذا قامت البيّنة تعتد من يوم الوفاة فجعل التفصيل مخالفة أخرى لخبر أبى الصباح كما ترى وأيضا لا اختصاص لذلك بالخبر الأخير إذ التفصيل موجود في الخبرين جميعا ويمكن ان يقال إن حكمه اوّلا بمخالفة الخبرين للاخبار باعتبار مخالفتهما لها باعتبار ما فيهما من التفصيل واطلاق الاخبار السّابقة من دون تفصيل فإنها ظاهرة في عدم التفصيل خصوصا ما وجه فيه التعليل ومراده ثانيا الإشارة إلى انّ في خبر أبى الصباح تصريحا بنفي هذا التفصيل وامّا تخصيص التفصيل بالخبر الأخير مع وجوده فيهما فيمكن توجيهه بان المنافى لخبر أبى الصباح هو التفصيل الذي في الخبر الأخير حيث فصّل فيه في المتوفى وامّا الخبر الاوّل ففيه التفصيل الذي في الخبر الأخير إلى آخره انه إذا جعل مورد الخبر المطلقة فيندفع الاشكال إذ التفصيل الذي ذكر فيه وما حكم به على كلا شقى التفصيل كله معتبر فيها ولا مخالفة فيها حينئذ للاخبار إذ الحكم بان اجلها ان تضع حملها على اطلاقه انما يستقيم امّا المتوفى عنها فاجلها ابعد الأجلين فتأمل واعلم أن من القائلين بالقول المش وهو ان الاعتداد في الوفاة من حين بلوغ الخبر فصّل الشيخ في التهذيب وقال إنه إذا كانت المسافة قريبة من يوم أو يومين وما أشبههما جاز لها ان تبنى على يوم مات الزّوج وان كان أكثر من ذلك لم يخبر الّا ان تبنى على يوم يبلغها فهذا قول رابع في المسألة واستدل على ذلك بما رواه عن منصور
قال سمعت أبا عبد اللّه عليه السلام يقول في المرأة يموت زوجها أو يطلقها وهو غائب قال إن كان مسيرة أيام فمن يوم يموت زوجها تعتدّ وان كان من بعد فمن يوم يأتيها الخبر لأنها لا بدّ ان تحد له ولا يخفى ان هذه الرّواية وان كانت مفصّلة والروايات السّابقة مجملة ومن قواعدهم حمل المجمل على المفصّل لكن حمل اطلاق الأخبار الكثيرة على التفصيل باعتبار خبر واحد وان فرض صحته لا يخلو عن اشكال نعم اختلاف هذه الأخبار ربما يؤيد القول بجواز الاكتفاء بالاعتداد من يوم الوفاة ثمّ حمل الاعتداد من يوم البلوغ مطلقا على الاستحباب وفيما كان زائدا على مسيرة الأيام على تأكد الاستحباب لتلائم الجميع على أن هذا الخبر لما اشتمل سؤاله على حكم المطلقة أيضا فالظاهر أن الجواب أيضا في كل منهما وحينئذ لا يوافق مذهب الشيخ لأنه خص الحكم بالمتوفى عنها لكن قوله عليه السلام لأنها لا بد ان تحد له مخصوص بالمتوفى عنها فلعل الشيخ خص الجواب بالمتوفى عنها بقرينة القول المذكور أو حمل الاعتداد في المطلقة من يوم البلوغ في البعيد على الاستحباب فتدبّر ثمّ اعلم أن العلامة رحمه الله في المختلف نقل عن ابن الجنيد ما نقلنا عنه على وفق شرح الشرائع لكن فيه زيادة تفصيل وعبارته فيه سقيمة مختلة في النسخ التي رأيناها لا يظهر منه حق المراد لكن يلوح منها انه أيضا على مذهبه من اعتبار وقت الوقوع في الطلاق والوفاة فصّل مثل ما فصّله الشيخ واعتبر ذلك فيهما في القريب وامّا في البعيد فاعتبر وقت البلوغ فيهما فيكون موافقا للشيخ في الوفاة وانما الخلاف بينهما في الطلاق حيث اعتبر الشيخ فيه وقت الوقوع مطلقا واعتبر ابن الجنيد ذلك في القريب وامّا في البعيد فاعتبر البلوغ ويؤيّد استفادة هذا ان العلامة نقل في الاحتجاج له ما نقلنا من الروايتين وكذا رواية منصور فكأنه حمل الرواية الثالثة على التفصيل فيهما وحمل اطلاق الروايتين عليهما لما أشرنا اليه من حمل المطلق على المقيّد وحينئذ فينطبق الروايات الثلث على مذهبه هذا ومن هنا يظهر انه لو خصّ قول الشارح وقيل تشتركان إلى آخره بالبعيد لم يبعد حمله على مذهب ابن الجنيد على ما في المختلف وصحّ قوله وبه روايات لكن عدم تعرضه رحمه الله هنا الحديث القريب والبعيد
التعليقات على شرح اللمعة الدمشقية — صفحة 416
مساهمون: جمال الدين محمد الخوانساري
ص٤١٦