انه ليس المراد بمدخلية الأسباب هاهنا هو التأثير على ما هو مصطلح أرباب العقول بل ما يتناول كون الشيء معرفا وعلامة وحينئذ فالحدث بعد الحدث سبب وان اعتبر المدخلية بالفعل ولم يكتف بالصّلاحية على ما ذكرنا أولا ومن هاهنا جوّز في علل الشرع تواردها على معلول واحد ويرد على الوجهين مع ما في التفرقة بين الناقض والسّبب واعتبار الصّلاحية أو المعرفيّة في أحدهما دون الآخر من التعسّف ان هذا انما يفيد اعميّة السّبب من الناقض بوجه وامّا اعميته منه مطلقا فلا يثبت بذلك ما لم يثبت كون كل ناقض سببا ولا دليل عليه بل لو كان الكلام في السبب والناقض مطلقا أو في خصوص الوضوء فدعوى تلك الكلية ظاهرة الفساد إذ الجنابة ناقضة للوضوء وليست بسبب له وكذا وجود الماء بالنّسبة إلى التيمّم نعم لو اعتبر السّبب والناقض بالنسبة إلى الطهارة لم يتوجه النقضان وكانت الكليّة ظاهرة لكن الكلام هاهنا في موجب الوضوء لا الطهارة فاعتبارهما بالنسبة إليها لا يخلو عن بعد ويمكن ان يقال إن غرضه اعتبار النسبة بين الثلاثة بالنسبة إلى الوضوء باعتبار هذه الأسباب السّتة لا مطلقا فلا يرد النقضان فتأمّل
قوله كما أن بينهما عموما من وجه
وذلك لاجتماعهما في الحدث الواقع بعد الطهارة في وقت وجوب المشروط ووجود الناقض بدون الموجب في ذلك الحدث قبل الوقت وكذا الجنابة العارضة للمطهّر بالنسبة إلى الوضوء لكن ليس نظر الشارح إليها والا لما حكم بأعمية السّبب مطلقا من الناقض كما أشرنا اليه ووجود الموجب بدون الناقض في الحدث الواقع بعد الحدث في الوقت بناء على أن المراد بالموجب ما يصلح ان يكون موجبا وان علّل الشرع علامات ومعرّفات فكل منهما موجب بالفعل على قياس ما ذكرنا من الوجهين في السّبب ويمكن أيضا ان يجعل الموجب بدون الناقض دخول وقت المشروط ونحوه كالبلوغ بالسّن لكن يخدش ذلك عدّهم أمثال ذلك من الموجبات فتأمّل
قوله فكان التعبير بالسّبب أولى
إذ لا مناقشة في كون هذه الأمور أسبابا للوضوء على الاطلاق بخلاف كونها موجبات له إذ لا بدّ من التقيّد بكون عروضها في وقت وجوب مشروطه وأشار بقوله أولى إلى أنه لا ضير في اطلاق الموجب عليها باعتبار ايجابها في بعض الأوقات إذ يكفى ذلك في وجه التسمية ولا يلزم في صحة التّسمية ثبوته لكل فرد منها فتأمّل
قوله على وجه يأتي تفصيله
لما كان المراد هاهنا حصر ما يوجب الوضوء خاصّة لا ما يوجبه وان كان مع الغسل ولهذا لم يذكر الحيض والنفاس وظاهر ان مطلق الاستحاضة ليس مما يوجب الوضوء خاصة فلذا قيّده الشّارح بالوجه الذي يأتي إشارة إلى القليلة أو ما يشمل الآخرين أيضا بالنسبة إلى وقت لا يوجبان فيه الا الوضوء كما عدّ الصّبح في المتوسّطة والعصر والعشاء في الكثيرة فتدبّر
قوله المعتبر شرعا وهو اوّل جزء إلى آخره
كان غرضه دفع ما يتوهم على عبارة المصنف انها تقتضى صحّة النّيّة المقارنة لابتداء غسل الوجه مطلقا وان كان الابتداء من أسفل الوجه وليس كذلك بناء على ما هو المشهور ومختار المصنف في ساير كتبه من وجوب الابتداء بالأعلى فدفع ذلك بان المراد يغسل الوجه الذي وجب مقارنته النية له هو الذي ابتدأ به من أول جزء من أعلاه امّا بناء على حمل الغسل على حمل الغسل الشرعي والغسل الشرعي للوجه هو ذلك أو بناء على ظهور ان النيّة لا بد من مقارنتها لاوّل افعال الوضوء وغسل الوجه لا على ذلك الوجه ليس من افعال الوضوء ولا يخفى سخافة التّوهّم وعدم الحاجة إلى دفعه في مثل هذا الكتاب إذ ظاهر ان المراد بغسل الوجه هنا ما كان مجزيا شرعا فبنى على المجرى منه وامّا الايراد على المصنف بأنه لم يتعرض هاهنا لوجوب الابتداء بالأعلى مع أن مذهبه ذلك كما يشهد به ساير كتبه فيندفع بأنه اكتفى عنه بذكر أو في تحديد الوجه كما اكتفى بمن وإلى في اليدين كما سيشير اليه الشارح فافهم
قوله لأنه خارج عن الفرض
بالفاء اى عما هو المفروض من عدّ الواجبات إذ لا بدّ فيه من تخصيص الوضوء بالواجب فلا يتصور فيه الندب ويمكن ان يجعل الفرض بمعنى الواجب وان يكون بالغين المعجمة ومآل الجميع واحد فافهم
قوله أو موافقة لطاعته
أو لكونه تعالى اهلا للعبادة أو لان العبادة شكر النعمة
قوله أو طلبا للرّفعة عنده
ونيلا لما لديه من الثواب وفي حكمه فعله خوفا من عقابه على تركه ونقل المصنف رحمه الله في قواعده بطلان العبادة بهاتين الغايتين اى طلب الثواب والخوف من العقاب وبه قطع السّيد رضى الدّين بن طاوس أيضا محتجا بان قاصد ذلك انما قصد الرشوة والبرطيل ولم يقصد وجه الربّ الجليل وهو دالّ على أن عمله سقيم وانه عبد لئيم والظاهر كما اختاره المصنف في القواعد وكرى صحّة العبادة على هذا الوجه أيضا لدلالة الآي والاخبار عليه واشعار ترغيب الكتاب والسّنة به وان كان فعلها لامتثال امره وموافقة رضاه أولى وأعلى رتبته والتفصيل في شرح الدروس لوالدي طاب ثراه
قوله تشبيها بالقرب المكاني
كأنه جعل القرب حقيقة في المكان فأشار إلى أن اطلاق التقرّب بالقصد المذكور على أحد الوجوه باعتبار تشبيه ما يترتّب عليه من القرب المعنوي بالقرب المكاني ويمكن ان يجعل ذلك متعلقا بالأخير فقط كما هو ظاهر عبارة كرى بناء على جعل الرفعة حقيقة فيما يكون بالقرب المكاني فاطلاقها هاهنا باعتبار التشبيه فافهم
قوله أو مجرّدا عن ذلك فإنه تعالى غاية كل مقصد
اى يقصد فعله للّه يجعل الغاية ذات اللّه تعالى مجرّدا عن قصد ما ذكر من امتثال امره وغيره بناء على أنه تعالى غاية كل مقصد وأنت خبير بان قول الحكماء انه تعالى غاية الغايات وغاية كل مقصد باعتبار ان مرادهم بالغاية ما يكون سببا لفاعلية الفاعل وظاهر ان سببيته فاعليّة كل فاعل تنتهى اليه تعالى كسببية وجوده وظاهر ان الغاية التي يعتبر قصدها في العبادات لا يكفى فيها مجرّد ذلك فالصّواب انه لا بد من قصد فعله للّه تعالى على أحد الوجوه التي ذكرها أولا فتأمل
قوله والاستباحة مطلقا
اى في جميع افراد الوضوء وذلك اما لان الكلام في الوضوء الواجب اى بحسب أصل الشرع وكل وضوء كذلك فهو مبيح وانما قيدنا بالواجب بحسب أصل الشرع لئلا ينتقض بنحو وضوء الحائض للذكر وقت الصّلاة إذا وجب بالنذر مثلا واما لان الكلام في الوضوء الذي هو من اقسام الطهارة والإباحة تعتبر في الطّهارة على اصطلاح المصنف والمشهور والمراد الإباحة في الجملة أعم من التامة والنّاقصة ليشمل وضوء الحائض مثلا للصّلاة لأنه له دخلا في الإباحة فتأمّل
قوله أو الرفع حيث يمكن
كما في غير دائم الحدث من المستحاضة والمبطون والسّلس واعلم أنهم قالوا إن المراد بالحدث هو الحالة التي لا تباح معها الدخول في الصّلاة ونحوها مما يتوقف على الطهارة فان أريد انه يباح معها الدخول فيها أصلا فالحدث في دائم الحدث يرتفع بالطهارة لاستباحة الدخول في الصّلاة له بها فحينئذ استباحة الصّلاة تستلزم رفع الحدث أيضا وان أريد انه لا يباح معها الدخول فيها الا لضرورة ونوع رخصة فيمكن ان يقال في دائم الحدث وكذا المتيمّم انه لا يرفع عنه وان استباح الصّلاة لوجود حالة فيه لا يمكنه معها
التعليقات على شرح اللمعة الدمشقية — صفحة 29
مساهمون: جمال الدين محمد الخوانساري
ص٢٩