الخبر يصلح دليلا على أن السّمك لا يحلّ اكله حيّا كما ذهب اليه الشيخ في المبسوط استناد إلى انّ ذكاته اخراجه من الماء حيّا وموته خارجه فقيل موته لم يحصل الذكاة قال المحقق في المعتبر وعندي في هذه الرواية توقف لضعف محمد بن سليمان من رواتها ومخالفتها لما اتفقوا عليه من أنه لا يؤكل من حيوان البحر الا السّمك ولا من السّمك الّا ما له فلس وفيه انه يمكن حمل قوله عليه السلام احلّه على حلّ استعماله كلبس جلده لا حلّ اكله فلا يخالف ما نقله من الاتفاق ولا اشكال في توقف حلّ استعماله على الذكاة ان قلنا بأنه ذو نفس وان قلنا بأنه لا نفس له فيمكن ان تعتبر الذكاة لجواز الصّلاة فيه وان لم يحتج إليها في الطهارة فتأمل وفي رواية أخرى عن ابن أبي يعفور انه كلب الماء قال سألت أبا عبد اللّه عليه السلام عن اكل لحم الخزّ قال كلب الماء ان كان له ناب فلا تقرّبه والا فأقربه ولا يتوهمّن أيضا مخالفة هذا للاجماع المنقول عن المعتبر باعتبار قوله والّا فأقربه إذ لعلّه لا يكون مصداق لهذا الشقّ ويكون غرضه عليه السلام من التفصيل المذكور تعليم قاعدة كلية للسّائل وهي تحريم كلّ ماله ناب حتى إذا نظر إلى الخزّ ورأى انّ فيه نابا علم حرمته بالدليل ويمكن ان يكون ذلك لنوع من التقية ومثله القول في رواية زكريّا بن آدم قال سألت أبا الحسن عليه السلام فقلت ان أصحابنا يصطادون الخزّ فاكل من لحمه قال فقال ان كان له ناب فلا تأكله قال ثمّ مكث ساعة فلما همت بالقيام قال اما أنت فانى اكره لك اكله فلا تأكله وفي صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج أيضا انه كلب الماء فقال سئل أبو عبد اللّه عليه السلام رجل وانا عنده عن جلود الخزّ فقال ليس بها باس فقال الرّجل جعلت فداك انّها في بلادي وانما هي كلاب تخرج من الماء فقال أبو عبد اللّه عليه السلام فإذا خرجت من الماء تعيش خارجة من الماء فقال الرّجل لا فقال عليه السلام فلا باس ولعلّ مراده عليه السلام ان احكام الكلب الذي يعيش خارج الماء فهي إذا لم تعش خارج الماء فليس لها حكم الكلاب ويكون حكمه ما ذكرنا من عدم البأس بها وفي رواية حمزة بن حمران عن أبي جعفر عليه السلام انه سبع يرغى في البرّ ويأوى في الماء وليس فيه ما ينافي كونه كلبا فان الكلب أيضا سبع لكن ينافي بظاهره ما سبق في الخبر الأول انه إذا فقد الماء مات وكذا ما في الخبر الأخير انّها لا تعيش خارجة من الماء الا ان يحملا على أنه إذا فارق الماء زمانا طويلا وانه لا يعيش خارج الماء كذلك وربما يظهر بهذا جواب آخر عن اشكال المحقق في الرواية الأولى بمخالفتها لما اتفقوا عليه غير ما ذكرنا فتأمل هذا واعلم أن الرّوايات الدالة على جواز الصّلاة في الخزّ وانهم عليه السلام كانوا يصلون فيه متظافرة وقد نقلوا أيضا الاجماع على جوازها في وبره قال في المعتبر امّا الجواز في الخالص فهو اجماع علمائنا مذكى كان أو ميتا لأنه طاهر في حال الحياة ولا ينجس بالموت فيبقى على الطهارة وظاهر قوله مذكى أو ميتا ثبوت ذكاة له شرعا ويشكل بأنه إذا كان طاهرا بعد الموت فالذكاة لاىّ شيء لأنه ليس لتطهره لحصوله بدونه ولا لحلّ اكله لما ادّعاه من الاجماع على حرمته الا ان يكون التذكية لحل اكله ويكون ذلك احتمالا ذكره بناء على ما استفيد من الرواية وان كان هو متوقفا فيه بناء على ما نقله من الاجماع ثمّ الظاهر كما ذكره المصنف في الذكرى ان عدم نجاسته بالموت بناء على اعتقاد انه لا نفس له وهو على تقدير كونه كلب الماء بعيد جدا ويمكن حمل كلامه على أن المراد انّ وبره طاهر في حال الحيوت لأنه ليس من نجس العين ولا ينجس بالموت لأنه ممّا لا تحله الحياة فيبقى على الطّهارة ويزيد هذا ان كلامه هنا في وبره لا في جلده لان حكم الجلد سيذكره بعد ذلك ويمكن ان يكون وجه عدم نجاسته بالموت هو كون الموت بعد الاخراج أو الخروج ذكاة له كما تضمّنته الرّواية السّابقة وعلى هذا يخصّ كلامه بالميّت بعد الاخراج أو الخروج ثمّ على اتى تقدير يرد عليه ان اثبات الطّهارة لا يكفى في التعليل لجواز الصّلاة فيه لأنه
ممّا لا يؤكل لحمه وكل ما كان كذلك لا تجوز الصّلاة فيه فلا بد من عذره لخروج الخزّ من تلك القاعدة ولم يتعرّض له الا ان يقال إن هذا ليس تعليلا لما نقل عليه الاجماع من الجواز بل لما أشار اليه من التعميم في المذكى والميّت والمراد ان الميّت لا يتوهم فيه مانع سوى النجاسة بالموت وهو لا ينجس بالموت فلذا عمّوا الحكم فيه بحيث يشمل الميّت لكن فيه انه حينئذ لا حاجة إلى أنه طاهر في حال الحياة بل يكفى ما بعده الا ان يكون توطئته لما بعده فتأمل واما جلده ففيه قولان فحكم في المنتهى انّ الرخصة وردت في وبر الخزّ لا في جلده فيبقى على المنع المستفاد من العموم وفي التذكرة جعل الأقرب الجواز ونسب المنع إلى ابن إدريس وقال في المعتبر وهل تجوز الصّلاة في جلده فيه تردّد أقربه الجواز وكأنه أقوى لان أكثر الأخبار الواردة في الباب وان ورد في الثياب التي كانت معمولة من الخزّ وهي من وبره لكن ظاهر اطلاق بعضها شمول الحكم للجلد أيضا كصحيحة معمر بن خلاد أو موثقة قال سألت أبا الحسن الرّضا عليه السلام عن الصّلاة في الخزّ قال صلّ فيه وكظاهر الرواية الأولى الّتى نقلناها أيضا كما يظهر بالتأمل فيها ويؤيّده أيضا صحيحة سعد بن سعد عن الرّضا عليه السلام قال سألته عن جلود الخزّ فقال هو ذا نحن بلبس فقلت ذاك الوبر جعلت فداك قال إذا حلّ وبره حلّ جلده ولعل المراد انه إذا حلّ الوبر حلّ الجلد في الجملة وهو مع الذكاة لا مطلقا فيشكل بحلّ وبر الميتة دون جلدها ووجه التّأييد ان الظّاهر منها ان بعد ما اعتبرنا من التقييد يتوافق الجلد والوبر في الحل مطلقا فيشمل حال الصّلاة أيضا فافهم واعلم أن الظاهر أن الخزّ الشائع في زماننا ليس هو هذا الخزّ الذي ذكره الأصحاب وورد به الرّوايات لان هذا الخزّ كانوا ينسجون الثياب من صرفه أو وبره وكان ذلك شائعا متعارفا والخزّ المعروف الآن كانّه لا يصلح لذلك فكأنّ اطلاق الخزّ عليه اصطلاح جديد وحينئذ فلا يمكن اجراء الحكم المذكور عليه ولا على غيره لعدم تعيّنه من الاخبار بنوعه ولعلّه لهذا قال الشارح في كتاب الأطعمة انّه قد تقدم في باب الصّلاة انه دويبة بحرية ذات قوائم اربع تشبه الثعلب وكانّها اليوم مجهولة أو مغيّرة الاسم أو موهوته وقد كانت في مبدأ الاسلام إلى وسطه كثيرة جدّا انتهى والعجب ان أكثر أهل اللغة لم يذكروا دابّة بهذا الاسم قال في القاموس الخزّ من الثياب م ج خزوز والخز وكصرد ذكر الأرانب ج خزوز واخزّة وموضعه مخزّة ومنه اشتق الخزّ وفي النهاية الاثيريّة في حديث علي عليه السلام انه نهى عن ركوب الخزّ والجلوس عليه الخزّ المعروف أو لا ثياب تنسج من صوف وإبريسم وهي مباحة قد لبسها الصّحابة والتابعون فيكون النهى عنها لأجل التشبّه بالعجم وزىّ المترفين وان أريد بالخزّ النوع الآخر وهو المعروف الآن فهو حرام لانّ جميعه معمول من الإبريسم وعليه يحمل الحديث الآخر قوم يستحلّون الخزّ والحرير انتهى والظاهر أن الثياب المذكورة كانت تنسج من صوف ودويبة خاصّة تسمّى بالخزّ امّا حقيقة أو مجاز أو كيفما كان فعليه ينزّل اخبارنا وفي المغرب الخزّ اسم دابّة ثمّ سمّى الثوب المتّخذ من وبره خزّ أو على هذا فلا التباس أصلا فتأمل وبما فصّلنا ظهر ان الحكم بجواز الصّلاة في الخزّ مما لا يفيد في زماننا واللّه تعالى يعلم ثمّ ان في المشهور قيد الخزّ بالخالص واحترزوا به عما لو كان مخلوطا بما لا تصحّ الصّلاة فيه أصلا كوبر الثعالب والأرانب امّا الخلط بغيره فلا منع عنه حتى بالإبريسم فان المنع عن الصّلاة في الإبريسم المحض فمع الخلط بما يصح فيه الصّلاة
التعليقات على شرح اللمعة الدمشقية — صفحة 188
مساهمون: جمال الدين محمد الخوانساري
ص١٨٨