أذهان الناظرين وتحديد افهام المتعلّمين ولتبيين المخلص منها حدبا على الطلاب كي لا تورد على أحد منهم فلا يقدر على حلّها واللّه الموفق للصّواب هذا واما إذا عمل مثل التكّة والقلنسوة من جلد غير المأكول فلم أقف على قائل صريحا بجواز الصّلاة فيه لكن الشيخ في التهذيب ذكر في تأويل رواية جميل عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال سألته عن الصّلاة في جلود التغالب فقال إذا كانت زكية فلا باس انّه يحتمل ان يكون المراد به إذا كان على مثل القلنسوة أو ما أشبهها مما لا يتم الصّلاة فيه واحتمل أيضا الحمل على التقيّة أو ان يكون في بمعنى على فيكون المراد الوقوف عليه ولا يخفى ان بمجرد هذا لا يعلم منه ان ذلك مذهبه إذ كثيرا ما يورد في الجمع بين الاخبار احتمالات لا توافق مذهبه وبالجملة فالأظهر المنع للرّوايات السّابقة وتردّد فيه المحقق في المعتبر الثاني قال في المدارك الظاهر اختصاص المنع من الصّلاة في هذه الأشياء بالملابس فلو كانت غيره كالشّعرات الملقاة على الثوب لم يمنع الصّلاة فيه وبه قطع الشهيد في الذكرى وجدّي رحمه الله في جملة من كتبه ويدل عليه مضافا إلى الأصل السّالم عما يصلح للمعارضة صحيحة محمّد بن عبد الجبّار السّابقة وصحيحة علىّ بن الرّيان قال كتبت إلى أبى الحسن عليه السلام هل تجوز الصّلاة في ثوب يكون فيه شعر من شعر الانسان وأظفاره من قبل ان ينفضه ويلقيه عنه فوقع يجوز وربما ظهر من كلام بعض الأصحاب المنع عن ذلك لرواية إبراهيم بن محمّد الهمداني وهي ضعيفة جدّا فلا يمكن التّعويل عليها انتهى ولا يخفى ان رواية ابن بكير أيضا التي هي العمدة في روايات المنع تدل على المنع في الشّعرات الملقاة أيضا فان الصّلاة فيه الواقع فيها يشمل كل ما يصحبه فان الصّلاة فيه لا اختصاص له بالملابس بقرينة ذكر البول والرّوث وعلى هذا فسند المنع ليس مجرّد رواية إبراهيم بن محمد حتى يجاب بما ذكره من ضعفها وعدم التعويل عليها وسيجيء أيضا في بحث السّنجاب ما يؤيد المنع منها وامّا ما ذكره من صحيحة محمد بن عبد الجبّار فقد عرفت انه يحمل على التقية جمعا بين الاخبار وان الجمع بهذا الوجه اظهر الوجوه التي يتراءى له على أنه على تقدير تسليمه لا يتم الاستدلال بها الّا فيما لا يتم فمن فرق بين ما لا يتم وغيره لا يمكنه الاستدلال بها على جواز الصلاة في كل ثوب عليه شيء من ذلك فتأمل وامّا صحيحة علي بن الرّيان فلا يبعد القول باختصاصها بشعر الانسان وأظفاره كما هو مورد الرّواية ويمكن ان يكون السّر في استثنائهما لزوم العسر والحرج في المنع عنهما لا سيّما في السّعر بل ربما أمكن ان يدعى ان الظاهر المتبادر مما لا يؤكل لحمه في اخبار المنع هو غير الانسان فلا حاجة حينئذ إلى استثناء وعلى هذا فلا يبعد التعدّى إلى سائر فضلاته الطاهرة كريمة وعرقه ثمّ لو قلنا بالاستثناء فيقتصر فيه على مورد النص وهو الشعر والظفر الملتقيان على الثوب ولا يبعد التعدي إلى الرّيق ونحوه نظرا إلى السّر المذكور ولا يحكم بالتعدّى إلى مثل الثوب المنسوج من شعر الانسان اما لو قيل إن المتبادر ممّا لا يؤكل لحمه في اخبار المنع هو غير الانسان فلا منع فيه أيضا ثمّ ان الرواية على ما نقله موافقا للتهذيب مطلقة في شعر الانسان وأظفاره فالظاهر الحكم باستثنائها كذلك سواء كان من المصلّى نفسه أو من غيره لكنّها في الفقيه هكذا وسئل علىّ بن الرّيان بن الصّلت أبا الحسن الثّالث عليه السلام عن الرجل يأخذ من شعره وأظفاره ثمّ يقوم إلى الصّلاة من غير أن ينفضه من ثوبه فقال لا باس وهذه مقيّدة بشعر المصلى نفسه وأظفاره فيشكل الحكم بهما في غيره لكن الظاهر تعدّد الواقعة وحينئذ فيكفي للحكم بالاطلاق الرواية المطلقة ولا يضرها تقييد السّائل في رواية أخرى وفي المنتهى مع أنه أورد رواية التهذيب ظاهر كلامه التخصيص بشعر نفسه وأظفاره ولا وجه له واللّه تعالى يعلم الثّالث ذكر في المنتهى انه لو شكّ في كون الشعر أو الوبر أو الصوف من مأكول اللحم لم تجز الصّلاة فيه لأنها مشروطة بستر العورة مما يؤكل لحمه والشّك في الشرط يقتضى الشّك في المشروط وفيه تامّل فانا لا نسلّم اشتراط الصّلاة بستر العورة بما يؤكل لحمه بل انما اشترطت بستر العورة
والأصل فيه الاطلاق واخبار المنع انما دلّت على فساد الصّلاة أو عدم جوازها فيما لا يؤكل لحمه وبمقتضى تلك الأخبار لا يمكن الحكم بالفساد أو عدم الجواز الّا فيما علم أنه مما لا يؤكل لحمه فبقى الباقي على الأصل ولا يظهر منها اشتراط ان يكون فيما يؤكل لحمه حتى يتم ما ذكره ويؤيد ما ذكرنا لزوم العسر والحرج على ما ذكره إذ أكثر الثياب المعمولة من الصوف والشعر والوبر من اين لنا العلم بأنها مما يؤكل لحمه صرفا ولم يختلط بما كان مما لا يؤكل لحمه أصلا وكذا في العظام والجلود المستعملة في اغمار السّيوف والسّكاكين وغير ذلك ولا يخفى ما في الاجتناب عن جميع ذلك في الصّلاة من الضيّق والحرج ويؤيده أيضا ما ورد من الاخبار في أن كل ما اشتبه بالحرام فهو حلال كصحيحة عبد اللّه بن سنان قال قال أبو عبد اللّه عليه السلام كل شيء يكون منه حلال وحرام فهو لك حلال ابدا حتى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه وصحيحة أبى عبيدة أو حسنته عن أبي جعفر عليه السلام قال سألته عن الرّجل منا يشترى من السّلطان من إبل الصّدقة وغنمها وهو يعلم أنهم يأخذون منهم أكثر من الحق الذي يجب عليهم فقال ما الإبل والغنم الا مثل الحنطة والشّعير وغير ذلك لا باس به حتى يعرف الحرام بعينه لكن بإزاء هذه الرّوايات روايات أخرى أيضا تعارضها كقولهم عليه السلام دع ما يربيك إلى ما لا يربيك وقولهم عليه السلام انما الأمور ثلاثة امر بيّن رشده فيتبع وامر بيّن غية فيجتنب وشبهات بين ذلك والوقوف عند الشّبهات خير من الاقتحام في الهلكات ومن ترك الشبهات نجا من المحرمات ومن اخذ بالشبهات ارتكب المحرّمات وهلك من حيث لا يعلم ويمكن حملها على أفضلية التحرّز فيكون المراد بالنجاة من المحرمات هو الخلاص من المكروهات والأشياء القبيحة في نفس الامر وان لم يكن حراما علينا لمكان عدم العلم ومثله القول في الهلاك من حيث لا يعلم فيحمل على ما يترتب على أحد الامرين من نقص الفضيلة وحطّ المنزلة وان لم يبلغ درك العقاب أو يخصّ ذلك بالقول والفتوى فلا يجوز الافتاء فيما اشتبه حكمه وان جاز لنا كلّ فعل وان اشتبه بالحرام ما لم نعلم أنه حرام بعينه واللّه تعالى يعلم
قوله وهو دابة ذات اربع إلى آخره
هكذا ورد في رواية ابن أبي يعفور قال كنت عند أبى عبد اللّه عليه السلام إذ دخل عليه رجل من الخزازين فقال له جعلت فداك ما تقول في الصّلاة في الخزّ فقال لا باس بالصّلاة فيه فقال له الرّجل جعلت فداك انه ميّت وهو علاجى وانا اعرفه فقال له أبو عبد اللّه عليه السلام انا اعرف به منك فقال له الرّجل انه علاجى وليس أحد اعرف به منى فتبسّم أبو عبد اللّه عليه السلام ثمّ قال له تقول انّه دابة تخرج من الماء أو تصاد من الماء فتخرج فإذا فقد الماء فتخرج فإذا فقد الماء مات فقال الرّجل صدقت جعلت فداك هكذا هو فقال أبو عبد اللّه عليه السلام فانّك تقول انه دابّة تمشى على اربع وليس هو في حدّ الحيتان فيكون ذكاته خروجه من الماء فقال الرجل اى واللّه هكذا أقول فقال له أبو عبد اللّه عليه السلام فان اللّه تعالى احلّه وجعل ذكاته موته كما احلّ الحيتان وجعل ذكاتها موتها قوله عليه السلام فيكون ذكاته خروجه اى حتى يكون ذكاته خروجه من الماء وقوله عليه السلام وجعل ذكاته موته اى بعد اخراجه أو خروجه كما في السّمك على القولين وإذا كان ذكاته ذلك جاز استعماله بعد موته واندفع ما توهّمه السّائل من أنه ميّت لا تجوز الصّلاة فيه وهذا
التعليقات على شرح اللمعة الدمشقية — صفحة 187
مساهمون: جمال الدين محمد الخوانساري
ص١٨٧