لما ذكرنا من الحمل على الاضطرار مع أنه اظهر جدّا ممّا ذكره من الوجوه ويمكن أيضا حمل رواية عبد الرحمن وموثقة الحلبي على أن السّؤال عن ثوب أجنب فيه الرّجل من غير أن يصيبه المنيّ امّا باعتبار انه عرق فيه أو بدونه ظنّا من السّائل حصول النجاسة أو كراهة بمجرّد ذلك وحينئذ فالامر بالصّلاة فيه لا يحتاج إلى تأويل والحكم بالغسل بعد وجدان الماء في الموثقة يحمل على الاستحباب فتدبّر وبما تلونا عليك ظهر ان القول بجواز الصّلاة في النجس وان كان أقوى نظر إلى الاخبار لكن الاحتياط كأنه في الصّلاة عاريا إذ لا يظهر منهم خلاف في تجويزه وظاهر هي عدم الخلاف أيضا في عدم وجوب الإعادة حينئذ بخلاف الصلاة في النجس لما فيه من الخلاف واللّه تعالى يعلم
قوله ويجب كونه اى السّاتر غير مغصوب
لا خلاف في عدم جواز الصّلاة في الثوب المغصوب مع العلم به وهل يبطل به الصّلاة ظاهر الأكثر ذلك سواء كان هو السّاتر الواجب أو غيره لان الحركات الواقعة فيه في الصّلاة منتهى عنها لأنها تصرّف في المغصوب والنهى عن الحركة نهى عن القيام والقعود والركوع والسّجود وهي اجزاء الصّلاة فتفسد لان النهى في العبادة يقتضى الفساد وفصّل جماعة من المحققين منهم المحقق في المعتبر والشارح في شرح الارشاد وصاحب المدارك بأنه ان كان ستر به العورة أو سجد عليه أو قام فوته كانت الصّلاة باطلة لان جزء الصّلاة منتهى عنه وتبطل الصّلاة بفواته اما لو لم يكن كذلك لم تبطل وكان النهى عن امر خارج عن الصّلاة والتحقيق ان كون النهى في العبادة مقتضيا للفساد محل كلام كما فصّلنا الكلام فيه في الأصول الا ان يثبت الاجماع عن اقتضائه شرعا كما هو ظ الأصحاب وإذا ثبت ذلك فالظاهر الحكم بالبطلان مطلقا في السّاتر وغيره إذا استلزم بشيء من اجزاء الصّلاة تصرّفا جديدا فيه غير لبسه كالسجود عليه أو قبضه وبسطه في الحالات وامّا إذا لم يستلزم ذلك كعمامة مغصوبة على رأسه لا يحصل بالصّلاة فيها زائد على لبسه فالظاهر عدم البطلان إذ النهى انما تعلق باللبس وهو خارج عن الصلاة ولم يتعلق بشيء من اجزاء الصّلاة ومجرّد كونه ساترا كأنه لا يوجب البطلان إذ الظاهر أن السّتر ليس من اجزاء الصّلاة بل من المقدّمات الخارجة كطهارة الثوب فكما ان تطهير الثوب أو البدن بالماء النجس المغصوب لا يقتضى بطلان الصّلاة فأمكن ان يكون الستر بالمغصوب أيضا كذلك هذا إذا ثبت كون النهى شرعا موجبا للبطلان مطلقا سواء كان نهيا صريحا بالأصالة أو مستفادا من النهى عمّا هو لازم له وامّا لو ثبت ذلك في خصوص النهى الصّريح بالأصالة لا مطلقا فليقتصر في الحكم بالبطلان على ما اتى بشيء من اجزاء الصّلاة بما هو منتهى عنه اصالة كالسجود على المغضوب أو كالقيام عليه وامّا في غيره مثل الركوع أو السجود الموجب لقبض أو بسط في الثوب فلا إذ النهى لم يتعلق اصالة بالركوع والسّجود بل بما هو لازمه وبما قررنا ظهر ان التفرقة بين خاتم ذهب أو مغصوب وبين الحرير الذي ليس بساتر بالحكم بالبطلان فيه دونهما على ما فعله المحقق وارتضاه الشارح في موقعه وليس مما يتعجب منه كما قاله المحقق الأردبيلي رحمه الله بل هذا ممّا يتعجّب منه إذا النهى في الثالث تعلق بالصّلاة وهو يدل على الفساد وفي الأولين لم يتعلق بالصّلاة فيهما بل بلبسهما وهو امر خارج عن الصّلاة فلا يدل على بطلان الصّلاة نعم وردت رواية بالنهى عن الصّلاة في الذهب لكنها لم يثبت صحتها وتردّد المحقق في خاتم الذهب وجعل الأقرب فيه عدم البطلان لما قاله في الخاتم المغصوب فتأمل هذا ما يتعلق بدليلهم على البطلان والشارح رحمه الله في شرح الارشاد ادعى الإجماع على المدعى وهو البطلان في الصّور الثلث ولو ثبت ذلك فلا كلام وعبارة هي يشعر بالإجماع على البطلان مطلقا حيث ادّعى اوّلا اجماع المسلمين على التحريم ثمّ قال الذي عليه علمائنا بطلان الصّلاة من غير تفصيل والمصنف رحمه الله في الذكرى ذكر ان المغصوب تبطل الصلاة فيه مع العلم بالغصب عند جميع الأصحاب وان في المعتبر اسند التحريم إلى جميع الأصحاب والبطلان إلى الأكثر ونقل ما اختاره المحقق كما نقلنا ثمّ قال وقول المحقق لا يخلو عن قوة وان كان الاحتياط للدّين الابطال كيف كان وهو كما ترى فتأمل هذا كله في العالم بالغصب وامّا الجاهل به فكأنه لا خلاف في عذره إذ لا تحريم في حقه فلا بطلان وان علم بالحال في الوقت لتحقق الامتثال وامّا النّاسى له فقيل إنه كذلك إذ لا تحريم في حقه أيضا فلا بطلان واختاره ابن إدريس وقيل يوجب الإعادة عليه بعد تذكره مطلقا في الوقت وخارجه واختاره العلّامة في القواعد لأنه مفرّط لقدرته على التكرار الموجب للتذكار فالاخلال به تفريط ولأنه لما علم كان حكمه المنع عن الصّلاة فالأصل بقاءه وزواله بالنسيان يحتاج إلى دليل وليس وقيل يوجب الإعادة في الوقت لقيام السّبب وهو الوقت وعدم تيقن الخروج عن العهدة لا في الخارجة لان القضاء يجب بأمر جديد وتحققه هاهنا غير ظاهر وهو مختار العلامة في المختلف ولا يخفى قوة الأول وربما يؤيده أيضا
عموم رفع النسيان لو لم نقل ان ظاهره رفع المؤاخذة فيه وامّا الثاني فلا يخفى ضعف ما ذكر له من الوجهين إذ كثيرا ما يعرض النّسيان مع التكرار والتذكار ومع ذلك الحكم بالتفريط بمجرّد ذلك مشكل وأيّ دليل على وجوب التّذكار في كل ثوب أو قطعة ارض علمنا بعضهما حذرا من اتفاق وقوع الصّلاة فيهما في وقت من الأوقات ولو سلّم تكون مثل هذا التفريط موجبا للإعادة مع تحقق الامتثال اوّلا لا بدّ له من دليل وليس وامّا التمسّك باصالة بقاء المنع الذي كان حكمه بعد العلم ففيه ان رفع المنع عنه بعد النسيان كأنه ممّا لا ريب فيه ولا خلاف لامتناع تكليف الغافل انما الكلام في وجوب الإعادة والتمسّك فيه بالاستصحاب ضعيف فان موجب الإعادة في الأول هو العلم بالغصب حال الصّلاة وعدم صحبتها معه ولم يتحقق ذلك في الثاني وامّا الثالث ففيه منع كون الوقت سببا للوجوب بعد تحقق الامتثال ويكفى في الحكم بالخروج عن العهدة تحقق الامتثال اوّلا وعدم ظهور دليل على عدم صحة الاكتفاء به بعد التذكر ولو قيل بعدم تحقق الامتثال اوّلا وانه بعد التذكر يظهر ان ما اتى به اوّلا كان لغوا لظهور تقصيره فيلزم القول بالقضاء أيضا لعموم من فاتته صلاة فليقضها كما فاتته فالفرق بين الإعادة والقضاء لا وجه له هذا ولا ريب انّ الاحتياط في متابعة القول الثاني والإعادة في الوقت والقضاء خارجه واما الجاهل بالحكم الشرعي وهو هنا تحريم الصّلاة في المغصوب أو الوضعيّ وهو بطلانها فيه فالمش بين الأصحاب عدم عذره ووجوب الإعادة عليه في الوقت وخارجه لتقصيره في التعلّم مع وجوبه عليه وللكلام فيه مجال لجريان ما ذكر في جاهل الغصب فيه أيضا إذ لا نهى ولا تحريم فيه أيضا أولا وعند ذلك فيتحقق الامتثال بما فعله اوّلا والإعادة أو القضاء يحتاج إلى دليل وليس نعم لو قيل بعدم صحة صلاة من لم يعرف جميع احكام الصّلاة بالتفصيل وانه لا يجوز الصّلاة الّا بعد تلك المعرفة حذرا من تطرّق خلل إليها بالجهل بشيء منها اتجه ما ذكروه لكنهم لا يقولون به كيف ولو قالوا به لزم الإعادة والقضاء وان لم يظهر فيها خلل ولا يقول به أحد وعلى هذا فيحتمل عذر الجاهل أيضا كما مال اليه المحقق الأردبيلي رحمه الله ويؤيده أيضا عموم رفع ما لا يعلمون وان النّاس في سعة منه لو لم يناقش فيه أيضا بان الظاهر منه رفع المؤاخذة وكونهم في سعة منها لكن هذا الاحتمال في جاهل الحكم الوضع دون الشرعي لا يخلو عن ضعف إذ بعد العلم بتحريم
التعليقات على شرح اللمعة الدمشقية — صفحة 185
مساهمون: جمال الدين محمد الخوانساري
ص١٨٥