الصّحة مع المسامحة في القبلة ثمّ قال ومع فقد الكلّ فعبارة أكثر الأصحاب يفيد وجوب الصّلاة إلى اربع جهات لان اليقين بل الظّن بالبراءة انما يحصل بها فيجب مع التعذر يكتفى بالممكن ثمّ قال ويحتمل التحري والاكتفاء بإحدى الجهات ثمّ شرع في الاستدلال لما ذكره من الاحتمال ولا يخفى ان التحري بعد فقد العلامات ليس الا بما ذكرنا من رعاية القرائن الجزئية فذكره لهذا الاحتمال بعد ما نقله عن الأكثر يدل على أنه فهم من كلام الأكثر انهم لا يقولون بالتحري والتّعويل على الأمارات الجزئية بل يحكمون بعد فقد العلامات الكليّة بالصّلاة إلى اربع والظاهر عندي ان مع امكان تحصيل العلم بالعين أو الجهة وجب على ذلك والا فالتعويل عليه على غلبة الظنّ مطلقا باىّ جهة كانت من غير فرق بين العلامات الكلية وغيرها ولو تعذر ذلك أيضا وتساوت الجهات أو المتعدد منها ففيه الخلاف الآتي والظاهر أن مراد الأكثر أيضا هو ذلك وذلك للرّوايات الدّالة على التحرّى فان التحرّى هو طلب الحرّى واللّائق وهو مطلق في كلّ ما غلب الظنّ به من غير فرق بين أسبابه وامّا الروايات الدالة على التجرى فمنها صحيحة زرارة وموثقتا سماعة المتقدمة آنفا ومنها صحيحة سليمان بن خالد بسندين وفيه كلام قال قلت لأبي عبد اللّه عليه السلام الرّجل يكون في قفز من الأرض في يوم غيم فيصلّى لغير القبلة ثمّ يصحى فيعلم انه صلّى لغير القبلة كيف يصنع قال إن كان في وقت فليعد صلاته وان كان مضى الوقت فحسبه اجتهاده ورواية أخرى عن سليمان بن خالد مثله وصحيحة يعقوب بن يقطين قال سألت عبدا صالحا عن رجل صلّى في يوم سحاب على غير القبلة ثمّ طلعت الشمس وهو في وقت أيعيد الصّلاة إذا كان قد صلّى على غير القبلة وان كان قد تحرّى القبلة بجهده أتجزيه صلاته فقال يعيد ما كان في وقت فإذا ذهب الوقت فلا إعادة عليه وحسنة الحلبي بإبراهيم عن أبي عبد اللّه عليه السلام في الأعمى يؤم القوم وهو على غير القبلة قال يعيد ولا يعيدون فانّهم تحرّوا وهي صريحة في أن التعويل على الامام نوع من التحرّى فالظاهر حصوله بكلّ ما يثمر الظنّ من دون اختصاص بالعلامات الكلية ويدلّ على ما ذكرنا أيضا ما سيجيء من الاخبار الدّالة على جواز الاكتفاء بواحدة عند التحير وان آية فأينما تولّوا نزلت فيه فإنه إذا جاز ذلك عند التحيّر فعند التحري بطريق أولى فهذه الأخبار كانّها تصلح حجته للتعويل على التحري وعدم الحاجة معه إلى اربع صلوات مع ما فيه من المشقة التي لا تناسب الشريعة السّمحة السّهلة ولو لم يكتف بها وحكم بان التكليف اليقيني لا بد فيه من حصول اليقين بالامتثال ولا يحصل الّا بالصّلاة إلى اربع كما نقله فيلزم ان لا يجوز التعويل على الامارات المفيدة للظنّ أصلا فتجويز بعضها والمنع عن بعض تحكم بحث على أن حصول اليقين بالأربع أيضا غير ظاهر إذا اغتفار هذا القدر من الانحراف الذي بين صلاتين منها غير معلوم واخبار ما بين المشرق والمغرب أيضا كأنها في مرتبة هذه الأخبار فمن لم يكتف بها ينبغي ان لا يكتفى بها أيضا مع احتمال اختصاصها بالمتحير الفاقد للظنّ مطلقا وعلى هذا فينبغي له ان يحكم بوجوب تعدد الصّلاة إلى أن لا يبقى بين كل صلاتين الا انحراف يسير يغتفر مع الاختيار أيضا ولا يقول به أحد الا ان يقال إن ما زاد على الأربع منفى بالاجماع فيقتصر على الأربع لذلك وفيه ان الاجماع على اجتزاء الصّلاة إلى الأربع ونفى الزائد انما يثبت مع فقد الامارات مطلقا وامّا في هذه الصّورة فلا لما أشرنا اليه من الاجمال والاشتباه في كلامهم فلا يمكن التمسّك بالاجماع منها هذا والأولى الاحتياط بان يجعل الجهة المظنونة احدى الجهات الأربع ويضيف إليها ثلاثة أخرى فإنه حينئذ يحصل اليقين بالبراءة بالاجماع فتدبر والمفيد في المقنعة حكم بأنه إذا أطبقت السماء بالغيم فلم يجد الانسان دليلا عليها بالشمس والنجوم فليصلّ إلى اربع جهات وكذا المحبوس الذي لا يجد دليلا على القبلة بأحد ما ذكرنا صلّى إلى اربع جهات فإن لم يقدر على ذلك بسبب من الأسباب المانعة من الصلاة اربع مرّات فليصل إلى أيّ جهة شاء وذلك يجزء مع الاضطرار ولم يتعرض للتحرى أصلا والشيخ رحمه الله في التهذيب أورد في مقام الاستدلال عليه روايتي خراش الآيتين ثمّ نقل
صحيحة زرارة وموثقتى سماعة الدالّة على التحري وحملها على الضرورة اى صورة عدم سعة الوقت للأربع وعلّل وجوب الحمل عليها بأنه لو لم تحمل على الضرورة لم يكن لما قدمنا من الخبرين بانّه يصلّى إلى اربع جهات معنى لان على مقتضى ظاهر هذه الأحاديث يجزى التحري ولا يحتاج في حال إلى أن يصلّى إلى اربع جهات فيسقط متضمّنها جملة وإذا حملنا هذه الأخبار على الضرورة وذينك الحديثين على حال الاختيار نكون قد جمعنا بينها على وجه لا تنافى بينها ولا يخفى ما فيه فان اخبار التحري انما تدل على الاخذ بالحرىّ والعمل به فعند تساوى الجهات أو الجهتين وعدم غلبة الظنّ بشيء منها أو منهما لا يمكن التحري فيمكن حمل روايتي خراش على هذه الصورة وبه يندفع المنافاة بين الاخبار ولا يلزم حمل اخبار التحري على الضرورة مع ما فيه من البعد ولا طرح شيء منها وأيضا يمكن حمل الخبرين مع ضعف سندهما على الاستحباب ثمّ استدل أيضا على انّ المراد بهذه الاخبار حال الاضطرار دون الاختيار وبرواية عمرو بن يحيى قال سألت أبا عبد اللّه عليه السلام عن رجل صلّى على غير القبلة ثمّ تبيّنت له القبلة وقد دخل في وقت صلاة أخرى قال يعيدها قبل ان يصلّى هذه التي قد دخل وقتها ورواية أخرى مثلها عن معمّر بن يحيى الا ان فيها بدل يعيدها يصلّيها ثمّ بين وجه الاستدلال بأنه لو لم نحمل تلك الأحاديث على حال الاضطرار لم يكن لإيجاب الإعادة بعد خروج الوقت حسب ما تضمّنه هذان الخبران معنى لان ظاهرها يقتضى انه متى تحرى القبلة وصلّى ثمّ خرج الوقت فإنه أجزأت صلاته وأنت خبير بان الخبر الأول من اخبار التحري لا يخلو عن ظهور فيما ذكره فان ظاهر الاجزاء هو ذلك وامّا الخبران الآخران فليس فيهما الا الامر بالاجتهاد وتعمّد القبلة وليس فيهما من سقوط الإعادة عين ولا اثر وكان بناء كلامه رحمه الله على أن الامر بشيء يقتضى صحته إذا اتى به والصحة هو سقوط القضاء على ما هو المشهور بين الفقهاء وفيه تأمل فان الظاهر أن الصحة التي تقتضيها الامر انما هو موافقة الامر وتحقق الامتثال كما ذكروه المتكلمون وهذا لا ينافي وجوب القضاء بظهور خلل فيه في نفس الأمر وان كان ما اتى به موافقا لما امر به في ذلك الوقت فان القضاء حكم آخر كما قالوا في الصّلاة بظنّ الطهارة ومع نسيان النّجاسة ويمكن حمل الاجزاء في الرّواية الأولى أيضا على مجرّد ذلك والظاهر أنه ليس با بعد مما فعله من تخصيص اخبار التحري بحال الضّرورة وضيق الوقت ثمّ من اين علم أن الخبرين فيمن راعى التحري لم لم يحمل وعلى من اكتفى بواحدة بدون رعاية التحرّى مع امكانه أو يحملا على من وجب عليه الصّلاة إلى اربع لتساوى الجهات عنده وعدم حصول ظنّ له بالتحرّى ومع ذلك اكتفى بواحدة فيجب عليه الإعادة بعد تبين الخطاء اللّهمّ الا ان يقال إن الاكتفاء بواحدة بدون التّحرى مع امكانه أو بدونه بعيد جدّا من حال المكلّف العارف في الجملة فالظاهر ممن اكتفى بواحدة ان يكون ذلك باعتبار التحرّى فلو كفى التحري مطلقا لم يستقم الحكم بالإعادة خارج الوقت فيجب ان يقال بعدم كفايته مع سعة الوقت ويحمل الخبر ان
التعليقات على شرح اللمعة الدمشقية — صفحة 177
مساهمون: جمال الدين محمد الخوانساري
ص١٧٧