تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التعليقات على شرح اللمعة الدمشقية — صفحة 174

مساهمون:

ص١٧٤
النّهار محصورة بين دائرتى نصف نهار ذلك البلد ونصف نهار أحد طرفي العمارة غربا أو شرقا وعرض البلد عبارة عن بعده عن خطّ الاستواء وهو قوس من دائرة نصف نهاره محصور بين معدّل النهار وسمعت رأسه وعلى هذا فالبلاد الواقعة على طرف المبدا لا طول لها انما الطول لسائر البلاد مقيسة إليها وما على خط الاستواء لا عرض له وما على أحد جانبيه له عرض شمالي أو جنوبي فاعرف قوله والجدى المشهور بين أهل اللغة انه مكبّر قالوا وقد يصغّر ليتميز عن البرج وهو نجم مضيء معروف يدور مع الفرقدين حول القطب الشمالي كل يوم وليلة دورة كاملة وغاية ارتفاعه ان يكون إلى جهة السّماء والفرقدان إلى الأرض وغاية انخفاضه عكسه وانما جعل علامة في احدى الحالتين دون ما إذا كان إلى جهة المشرق والمغرب لان العلامة حقيقة هي القطب والجدى لكونه في الحالتين على دائرة نصف النهار المارّة بالقطبين إذا كان مسامتا العضو من أعضاء المصلّى كأنه القطب أيضا مسامتا له لكونهما على دائرة واحدة بخلاف ما لو كان منحرفا نحو المشرق أو المغرب نعم القطب علامة دائما لأنه قريب من القطب جدّا وهو نجم منفى في وسط الأنجم التي هي بصورة السّمكة لا يكاد يدركه الّا حديد البصر يسمى قطبا لكمال قربه منه فاشتهر اطلاقه عليه حتى لا يكاد يعرف غيره وان كان له أيضا حركة يتوهم بها دائرة لطيفة حول القطب لكنها ممّا لا يبيّن للحسّ ولا يؤثر في الجهة كذا افاده الشارح في شرح الارشاد موافقا لجماعة من الأصحاب وكتب بعض الفضلاء المعاصرين من المهرة في علم الهيئة حفظه اللّه تعالى حاشية على هذا الموضع وهذه عبارته لا يخفى ان الجدى قريب من قطب الحركة الأولى فلا يظهر منه حركة بحسب الحسّ لكن لما كان متحركا بالحركة الثانية البطيئة وبتلك الحركة يبعد عن القطب فيصير بعد سنين كثيرة بعيدا عن القطب فحينئذ يصير الحركة فيه ظاهرة بحسب الحسّ ويكون له طلوع وغروب في بعض البلاد فلذا قيّد الشارح بقوله غاية ارتفاعه أو انخفاضه ليكون تلك العلامة ثابتة محفوظة على مرّ الدهور انتهى ومراده ان الجدى في هذه الاعصار لا يبعد في شيء من الحالات عن القطب بعدا يظهر للحسّ ويؤثر في الجهة فلا حاجة فيها إلى التقييد بحالة الارتفاع أو الانخفاض وانما يكون ذلك بعد سنين كثيرة باعتبار حركته البطيئة وفي تلك الاعصار يحتاج في جعله علامة إلى التقييد بالحالتين فتقييد الأصحاب بالحالتين ليستقيم حكمهم بكونه علامة في جميع الأزمنة والدهور والا فهو في هذه الاعصار علامة في جميع الحالات وأنت خبير بان كلام الأصحاب خصوصا الشارح رحمه الله في شرح الارشاد بعيد عن هذه التوجيه بل الظاهر انّ بناء حكمهم على هذه الاعصار لكنهم حاولوا البناء على التحقيق وانه في غير الحالتين ليس علامة حقيقية البعد في الجملة عن القطب في غير الحالتين وان كان بعدا يسرا فلذا قيّدوا بهما لكن الظاهر عدم الاحتياج إلى التقيد في هذه الاعصار لسعة امر القبلة فلا يضرّ مثل هذا البعد اليسير ولذا لم يقيّد في النصّ نعم إذا اتى زمان يظهر له فيه بعد محسوس فربما احتيج حينئذ إلى التقييد فتأمل قوله خلف المنكب الأيمن المنكب على ما في شرح الارشاد وغيره موافقا لكلام أهل اللغة مجمع العضد والكتف ونقل المحقق الأردبيلي رحمه الله عن المحقق الشيخ على رحمه الله انه اعتبر الكتف وجعل قبلة خراسان وأكثر بلاد العجم على وضع الجدى خلف الكتف وغير ما كان على غير ذلك اليه واستبعده ولا يخفى ان اعتبار الكتف وان كان أقرب إلى العلامة الأولى وكذا إلى رواية محمّد بن مسلم الآتية وكذا إلى الاعتبار في بعض البلاد المائلة عن أوساط العراق إلى الغرب لكن في أوساط العراق وأطرافه الشرقية الأقرب إلى الاعتبار هو اعتبار المنكب وكذا ما في سمتها من بلاد خراسان بل الأقرب فيها لكونها مائلة إلى الشرق جدّا جعل الجدى على المنكب الأيمن لا خلفه فكيف بخلف الكتف فاعتبر قوله وهذه العلامة ورد النصّ بها خاصّة ما وقفت عليه من النصّ في هذا الباب روايتان الأولى ما رواه في التهذيب عن محمد بن مسلم عن أحدهما عليه السلام قال سألته عن القبلة قال ضع الجدى في قفاك وصلّه والثانية ما ذكره في الفقيه قال وقال رجل للصّادق عليه السلام انى أكون في السّفر ولا اهتدى إلى القبلة في الليل فقال أتعرف الكوكب الذي يقال له الجديّ قلت نعم قال اجعله على يمينك وانا كنت في طريق الحجّ فاجعله بين كتفيك ولا يخفى انّ بين الروايتين مع ضعف سند الأولى وارسال الثانية نوع منافرة وكذا بينهما وبين ما ذكره الأصحاب ويمكن الجمع بحمل القفا في الرواية الأولى على خلف المنكب الأيمن كما ذكره الأصحاب لأنه من القفا وامّا تخصيصه بموضع كان حكمه ذلك كالأطراف الغربيّة من العراق فبعيد لان السّائل وهو محمّد بن مسلم كوفي وكذا يمكن حمل اليمين في الرّواية الثّانية على المنكب الأيمن وحمل جعله عليه على جعله خلفه وحمل جعله في طريق الحجّ بين الكتفين على أن يكون طريقة من الأطراف للعراق أو مما كان حكمه حكمه ولا يخفى ما فيه من التكلّف والأظهر ان يقال بسعة امره القبلة وانه يكفى في العراق جعله على القفا مطلقا وحينئذ لا اشكال في اطلاق الرواية الأولى وكذا في الجزء الثاني من الرواية الثانية وامّا الجزء الأول منها فيمكن حمله على انّ بلد السّائل كان حكمه ذلك بناء على أنه كان شرقيّا من أوساط العراق فتأمل قوله للقواعد المستنبطة من الهيئة وغيرها كأنه أشار بذلك على ما ذكروه من أن محراب مسجد الكوفة نصبه أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه ولم يتغيّر عن وضعه إلى الآن وانه موافق لجعل الجدى خلف المنكب كما ذكره المحقق الأردبيلي رحمه الله قوله الاعتداليّان وهما نقطتا تقاطع الأفق والمعدّل فيما لم يكن الأفق رحويّا اى منطبقا على المعدّل فان في غير الرّحوي ينصّف الأفق المعدّل بنقطتين متقابلتين إحداهما في جهة الشرق وتسمّى نقطة المشرق ومطلع الاعتدال امّا لان الاعتدالين يمرّ ان عليها ويطلعان منها ابدا أو لان الشمس تطلع منها إذا حلّت إحداهما والأخرى في جهة الغرب وتسمّى نقطة المغرب ومغيب الاعتدال على قياس ما ذكروا الخطّ المستقيم الواصل بينهما يسمّى خطّ المشرق والمغرب ونقطتا تقاطع نصف النّهار والأفق تسمّيا نقطتى الشّمال والجنوب والخطّ المستقيم الواصل بينهما يسمى خطّ نصف النهار وهو مقاطع للخط الأول على قوائم في سطح الأفق كذا في شرح كرة للعلّامة الخفرى ومنه يظهر انّ الاعتدالين لا يغايران ما ذكره من الجهتين اصطلاحا كما هو ظاهر عبارته وكأنه رحمه الله لم يرد بالاعتدالين ما هو مصطلحهم بل أراد بهما مطلع الشمس ومغربها في أحد الاعتدالين وحينئذ يظهر بينهما وبين الجهتين اصطلاحا تفاوت يسير فإنه إذا كان مطلع الشمس في اوّل الرّبيع مثلا نقطة اوّل الحمل كان مغربها في ذلك اليوم مائلا عن النقطة المقابلة لها التي هي نظيرتها بقدر ما يقتضيه حركتها الثانية في ذلك اليوم فالاعتداليّان حينئذ هما تلك النقطة ونقطة أول الحمل والجهتان اصطلاحاهما نقطتا أول الحمل ونظيرتها فافهم قوله حال استقامته وهو غاية ارتفاعه أو انخفاضه قوله الّا ان يدّعى اغتفار هذا التفاوت وهو بعيد وفي شرح الارشاد حكم بأنه فاسد لما تقدّم في تحقيق الجهة من اعتبار يقين الكعبة أو احتمالها وهذا القدر من التّفاوت لا يبقى معه شيء منهما فان من كان بالموصل مثلا وكان عارفا مجتهدا في القبلة يقطع بكونه إذا انحرف من نقطة الجنوب نحو المغرب بنحو ثلث ما بين الجنوب
التعليقات على شرح اللمعة الدمشقية — صفحة 174 | جمال الدين محمد الخوانساري