تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التعليقات على شرح اللمعة الدمشقية — صفحة 175

مساهمون:

ص١٧٥
ومغرب الاعتدال كان خارجا عن سمت الكعبة وكذا من بأطراف العراق الشّرقيّة إذا استقبل خطّ الجنوب وهذا امر لا يخفى على من تدبّر قواعد القبلة وما يتوقّف عليه من المقدمات ومن طريق النص إذا كان جعل الجديّ على الأيمن يوجب مسامتة الكعبة في الكوفة الّتى هي بلد الراوي ونحوها كيف يوجب مسامتها إذا كان بين الكتفين لبعد ما بينهما بالنّسبة إلى بعد المسافة فان الانحراف اليسير عن الشيء مع البعد عنه يقتضى انحرافا فاحشا عنه عند محاذاته فانا إذا أخرجنا خطّين من نقطة لم يزالا الّا يزدادان بعدا كلما ازدادا امتدادا كما لا يخفى وأيضا فلو كان جعله بين الكتفين محصّلا للجهة كان الامر بجعله على اليمين لغوا خاليا عن الحكمة انتهى وأنت خبير بان ما تقدّم منه في تحقيق الجهة ممّا لا مستند له شرعا وظاهر الآية الكريمة الاكتفاء بالتّوجه إلى ما يصدق عليه عرفا انه جهة المسجد وناحيته ويدلّ عليه أيضا خلوّ الاخبار عن تحقيق ذلك ونصب العلامات لذلك مع كمال اهتمامهم عليه السلام ببيان احكام الشرع حتى أنهم لم يهملوا مستحبات الخلاء ومكروهاته فكيف بغيرها فعدم ورود الاخبار ومنهم عليه السلام في هذا الباب سوى ما نقلنا من الرّوايتين اللّتين هما في غاية الاجمال دليل واضح على ما ذكرنا من سهولة الخطب فيه واحالتها إلى علم الهيئة مستبعد جدّا لأنه من العلوم الدقيقة وتحصيل عامة الناس له متعسّر بل متعذّر فكيف كلّفوا به في الشريعة السّمحة السّهلة ووجوب تقليد أهله أيضا مستبعد جدّا لعدم التمكن منه في صدر الاسلام وبعده أيضا الغالب عدم تيسّر ذلك سيما في الاسفار والبراري والقفار مع أن بناء هذا العلم أيضا على أقوال أهل الارصاد الّذين لا يعلم عدالتهم ولا اسلام أكثرهم وأيضا على التّخمينات التي لا تفيد في بناء الامر على الظاهر فالتحقيق كفاية التوجه إلى السّمت الذي فيه المسجد الحرام عرفا فان العلم بذلك مما يتيسّر لأكثر الناس ويدلّ عليه أيضا من الرّوايات صحيحة زرارة في الفقيه عن أبي جعفر عليه السّلام أنه قال لا صلاة الا إلى القبلة قال قلت اين حدّ القبلة قال ما بين المشرق والمغرب قبلة كلّه الحديث وصحيحة معاوية بن عمّار في التهذيب أو حسنته عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال قلت الرّجل يقوم في الصّلاة ثمّ ينظر بعد ما فرغ فيرى انه قد انحرف عن القبلة يمينا وشمالا قال قد مضت صلاته وما بين المشرق والمغرب قبلة وهذه الرّواية في الفقيه أيضا وطريقه إلى معاوية صحيح على ما في الروضة مع زيادة ونزلت هذه الآية في قبلة المتحيّر وللّه المشرق والمغرب فأينما تولّوا فثمّ وجه اللّه والظاهر انّها من تتمّة الخبر نعم الظاهر أن الاكتفاء بهذا القدر انما يجوز لمن تعسّر عليه تعيين القبلة زيادة عن ذلك وامّا من تيسّر له ذلك كاهل زمان المعصومين صلوات اللّه عليهم فيما كانوا يرون فيه صلاتهم وقبلتهم وكذا لأهل المدينة المشرّفة الا ان والكوفة وأمثال ذلك فالظاهر وجوب توجّههم إلى ما عيّن لهم من القبلة وعلى هذا فموثقة عمّار السّاباطى في الكافي والتهذيب عن أبي عبد اللّه عليه السلام في رجل صلّى على غير القبلة فيعلم وهو في الصّلاة قبل ان يفرغ من صلاته قال إن كان متوجها فيما بين المشرق والمغرب فليتحول وجهه إلى القبلة حين يعلم وان كان متوجّها إلى دبر القبلة فليقطع ثمّ يحوّل وجهه إلى القبلة ثمّ يفتح الصّلاة تحمل على ما ذكرنا وبه يندفع المنافاة بينها وبين ما نقلنا من الصحيحتين وعلى هذا فمن حصل له علم بتعيين القبلة أو ظنّ متاخم له من قواعد الهيئة ونحوها فلا يبعد ان يكون حكمه وامّا سائر الناس فالظاهر انّهم في سعة وحينئذ فلا باس بتعيين علامات متفاوتة لهم لاغتفار التفاوت عنهم فيكفي لهم رعاية ما تيسّر لهم من احدى العلامات مطلقا واللّه تعالى يعلم قوله خصوصا مع مخالفة العلامة للنص لا يخفى ان النص هو ما نقلنا من الرّوايتين والعلّامة لا تخالف الأولى منهما ولا الجزء الثاني من الثانية بل تطابقهما وانما تخالف الجزء الاوّل من الثانية وقد عرفت ان السّائل فيه غير معلوم فلعلّه لم يكن عراقيا والعلّامة اختصّت باهله فلا مخالفة معه أيضا فافهم قوله بل بالجهتين العرفيتين اى تمام القوس الذي فيه مطالع الشمس في السّنة وما فيها مغاربها كذلك قوله يوجب سقوط فائدة العلامة فيه انه لا يجب ان يعتبر في التخصيص الموافقة للعلامة الأخرى حتى تنتفى فائدة العلامة بان يقال جعل جزء من المشرق على اليمين وجزء من المغرب على اليسار بحيث يكون الجدى معه خلف المنكب الأيمن بل يمكن التخصيص بما يطابقها في الواقع وان لم يعتبر ذلك في مفهومها كان يقال المعتبر مشرق الشمس ومغربها في الايّام القصيرة جدّا فان جعل المشرق والمغرب في هذا الوقت على اليمين واليسار يطابق ما ذكروه من علامة الجدى ولا تنتفى فائدة العلامة فهم مثل هذا التخصيص مع اطلاق كلامهم لا يخلو عن تكلف فافهم

[ علامة أهل اليمن ]

قوله فان ذلك يقتضى كون اليمن مقابلا للعراق امّا بناء على العلامة الثانية اى كون السّهيل غائبا بين الكتفين فلان مغيب سهيل منحرف عن نقطة الجنوب إلى المغرب فيكون مقابلا لأوساط العراق النهى انحرف قبلتها عن الجنوب إلى المغرب وامّا بناء على العلامة الأولى فلانه حينئذ يكون مقابلا للاطراف الغربيّة من العراق كالموصل وما والاها حيث حقق سابقا ان قبلتها نقطة الجنوب ويجعل فيها الجدى بين الكتفين هذا إذا خصّ كلامهم بحالة استقامته كما سيشير اليه والا فيختلّ ما ذكروه من العلامة لما ظهر لك من الحركة الجدى في الجهات فلا بد من بيان ان جعله بين العينين في ايّة حالة الا ان يدّعى اغتفار هذا التفاوت وحينئذ أيضا يستقيم مقابلية للعراق لاغتفار التفاوت فيه أيضا على هذا القول قوله فان جعل الجدى طالعا بين العينين لا يخفى انّ الجدى لا طلوع له ولا غروب لأنه ابديّ الظهور في هذه البلاد فالمراد بطلوعه استقامته كما فسّره به المحقق الشيخ على رحمه الله في شرح القواعد وجعله مجازا أو خصوص ارتفاعه كما فعله الشارح في شرح الارشاد وكانّه بناء على أن علامة التجوز فيه اظهر وان كان الانخفاض أيضا بحكمه وعلى الوجهين يظهر توجّه ما أورده المشهور لكن يبقى ان التقييد بكونه طالعا ليس فيما نقله من العلامة بل قد اطلق الجدى فيها فتقييده به وايراد الاشكال عليه كما ترى والجواب ان ما نقله هاهنا وان كان مطلقا لكن لا بد من تقييده بذلك إذ لا يصلح ابقاؤه على الاطلاق بناء على ما هو ظاهرهم من عدم اغتفار يمكن التفاوت ولا قرينة على خصوص تقييد سوى ذلك إذ يمكن جعل القرينة عليه تقييدهم به في علامة العراق ان جماعة منهم صرح بالتقييد به هنا أيضا كما نقلنا عن عد والارشاد على أنه لو قيل باغتفار التفاوت وجواز حمل كلامهم على الاطلاق فلا يفيد في دفع الاعتراض لأنه إذ أصح جعله بين العينين مطلقا فمن صور جعله بينهما في صورة غاية ارتفاعه فيستقبل نقطة الشمال ويكون نقطة الجنوب بين الكتفين وهي موازية لسهيل في غاية ارتفاعه لا غائبا فلا وجه للتقييد به فينبغي جعل ذلك أيضا علامة مطلقا هذا نعم لو حمل كونه طالعا على ظاهره اى ابتداء طلوعه ونزل ذلك على ما يأتي من دهر يكون فيه للجدى طلوع كما أشرنا اليه سابقا لتقاربت العلامتان لان مطلع الجدى منحرف عن نقطة الشمال كما أن مغيب سهيل منحرف عن نقطة الجنوب لكن لا يخفى