وأجاب بعضهم ممّن أوجب الفور بأنّه إنّما أخّره حتّى لا يرى مناكر المشركين في تلبيتهم وطوافهم عُراة . « 1 » وبعضهم بأنّه أدّى فرضه بمكّة .
وردّ بأنّ فرض الحجّ إنّما كان بالمدينة ، وبأنّه لم يأمر الناس به قبل العاشرة ، فلو كان فوريّاً لأمرهم به عام الفرض .
والعوالي : القرى التي حول المدينة ، أقطعها عثمان زيد بن ثابت .
والسماط بكسر السين : الصفّ من الناس « 2 » ، وغرضه صلى الله عليه وآله من قوله : « هذا جبرئيل » إلخ دفع توهّم مَن توهّم أنّه أمر بذلك على سبيل الاجتهاد والتظنّي .
ومن أعجب العجائب أنّه مع ذلك قال الآبي :
الظاهر أنّه صلى الله عليه وآله قال عن اجتهاد كما يدلّ عليه قوله : « لو استقبلت من أمري ما استدبرت » ؛ وغرضه من هذا القول بيان أنّ قوله صلى الله عليه وآله ذلك كان عن اجتهاد كقول شيخه ، وأنّ اجتهاد شيخه راجح ، فقد كذّب النبيّ صلى الله عليه وآله لتصديق شيخه ، وما عرف أنّه صلى الله عليه وآله أراد بقوله : « لو استقبلت من أمري ما استدبرت » نزول الوحي بالتمتّع قبل سياق الهدي .
انتهى .
واعلم أنّ هذا الخبر مرويّ في طرق العامّة أيضاً بطرق متعدّدة ، فقد روى البخاري بإسناده عن جابر بن عبد اللّه ، قال : أهلَّ النبيّ صلى الله عليه وآله هو وأصحابه بالحجّ ، وليس مع أحد منهم هدي غير النبيّ صلى الله عليه وآله وطلحة ، وقدم عليّ من اليمن ومعه هدي ، فقال : « أهللت بما أهلّ به النبيّ صلى الله عليه وآله » ، فأمر النبيّ صلى الله عليه وآله أصحابه أن يجعلوها عمرة ويطوفوا ، ثمّ يقصّروا ويحلّوا ، إلّا مَن كان معه الهدي ، قالوا : ننطلق إلى منى وذكر أحدنا يقطر ، فبلغ النبيّ صلى الله عليه وآله فقال : « لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت ، ولولا أنّ معي الهدي لأحللت » ، وحاضت عائشة فنسكت المناسك كلّها غير أنّها لم تطف بالبيت ، فلمّا طهرت وطافت بالبيت قالت : يا رسول اللَّه ، أتنطلقون بحجّة وعمرة وأنطلق بحجّ ، فأمر عبد الرحمن بن
هامش
( 1 ) . عمدة القاري ، ج 9 ، ص 265 ؛ المغني لابن قدامة ، ج 3 ، ص 195 ؛ الشرح الكبير ، ج 3 ، ص 176 .
( 2 ) . مجمع البحرين ، ج 2 ، ص 418 ( سمط ) .