توضيح ذلك على سبيل الإجمال أنّ أهل مكّة بعد موت معاوية بايعوا ابن الزبير ، واجتمع على طاعته أهل الحجاز والعراق وخراسان ، ووقع بينه وبين يزيد ومروان بن الحكم محاربات حتّى مات مروان وولي ابنه عبد الملك ، واستعلى أمره بطاعة أهل الشام ومصر والمغرب وغيرها من البلاد ، فوجّه الحجّاج في جيشٍ عظيم ، فحصر ابن الزبير بمكّة خمسة أشهر وسبعة عشر يوماً ، فحاصر أهل مكّة ، وهم التجوا بالكعبة ، وازدحموا في المسجد ، فاستقرّ رأي الحجّاج وأصحابه برمي المنجنيق ، ولطّخوا الأحجار بدم الخنازير ، إلى أن خرّب الكعبة ، وغلب على ابن الزبير وقتله وهو ابن اثنين وسبعين سنة ، وقد كان بويع له وهو ابن خمس وستّين سنة ، ثمّ صلبه بعد ما قتله في عقبة المدنيّين ، وبقي مصلوباً إلى أن دخل عروة بن الزبير إلى عبد الملك وسأله أن ينزله من خشبته فأسعفه . « 1 » انتهى .
وأقول : قد اشتهر في الألسن أنّ الحجّاج خرّب الكعبة على ابن الزبير ؛ لتحصّنه بها ، وأنّه لطّخ حصى المنجنيق بدم الخنازير لما أنّ الملائكة كانوا يردّونها ولم ارَ خبراً بذلك يعتدّ به ، بل قد حكى ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة : أنّه لمّا قدم الحجّاج مكّة شاور ابن الزبير حليلته الجليلة بنت الحسين عليه السلام وامّه في بيعة عبد الملك والمصالحة مع الحجّاج ، فنهتاه عن ذلك وأمرتاه بمحاربته ، وألبسته امّه أسلحة الحرب بيدها وأخرجته من بيته ، فخرج في جماعة من أصحابه وقاتل حتّى قُتل في بعض الأزقّة . « 2 » وأنّى له الخنازير بمكّة ؟ وكيف تيسّر له ذلك ؟ وقد ثبت أنّه ما أراد أحد هتك حرمتها إلّا أهلكه اللَّه تعالى .
يدلّ عليه أخبار منها هذا الخبر ، ومنها ما رواه حسّان بن مهران قال : سمعت أبا عبد اللّه عليه السلام يقول : قال أمير المؤمنين عليه السلام : « مكّة حرم اللَّه والمدينة حرم رسول اللَّه صلى الله عليه وآله
هامش
( 1 ) . انظر : تاريخ الطبري ، ج 5 ، حوادث سنة 72 ؛ الاستيعاب ، ج 3 ، ص 907 - 910 ، ترجمة عبد اللّه بن الزبير ؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ، ج 20 ، ص 103 - 106 ، شرح الخطبة 461 .
( 2 ) . انظر : شرح نهج البلاغة ، ج 20 ، ص 103 - 104 ، شرح الكلام 461 . وما ذكره هنا من مشورة ابن الزبير مع حليلته بنت الحسين عليه السلام لم يذكر فيه ، ولم تكن بنت الإمام الحسين عليه السلام حليلة لعبد اللَّه بن الزبير ، بل كانت سكينة بنت الحسين عليه السلام زوجاً لمصعب بن الزبير . انظر : ترجمة سكينة بنت الحسين في الطبقات الكبرى لابن سعد ، ج 8 ، ص 475 ؛ وفي تاريخ مدينة دمشق ، ج 69 ، ص 205 . وراجع : تاريخ الطبري ، ج 5 ، ص 30 - 31 ، حوادث سنة ثلاث وسبعين .