واختلفوا في توجيه الانتقال والتنحّي ، فقيل : لأنّ الشمس كانت طلعت فأمرهم بالانتقال حتّى ترتفع . وقيل : الوجه ما أشار إليه بقوله : « هذا منزل حضرنا فيه الشيطان » « 1 » . وقيل : إنّه أثقل كراهية للموضع الّذي أصابتهم فيه الغفلة كما نهى عن الصلاة بأرض بابل ؛ معلّلًا بأنّها ملعونة « 2 » . وقيل : لتقوم بحركة الرحيل من غمرة النوم ، ويأخذ في أهبة الصلاة . وقيل : الأمر بذلك منسوخ بقوله تعالى :
« وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي »
« 3 »
.
واعترض عليه بأنّ الآية مكيّة والقضيّة بعد الهجرة بأعوام « 4 » .
ثمّ قال :
بقي هنا شيء ، وهو : أنّ هذا ينافي ما ورد من طرق العامّة والخاصّة من قوله عليه السلام : « تنام عيني ولا ينام قلبي » « 5 » ، فقيل : المعنى : ولا ينام قلبي في الأكثر ، ولا ينافي منامه نادرا لمصلحة لما أراد اللَّه عزّ وجلّ من بيان القضاء ، قال أبو عبد اللَّه عليه السلام : « فصارت أسوة وسنّة » « 6 » . وقال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله على ما ذكر في كتب العامّة : « ولو شاء اللَّه لأيقظنا ، ولكن أراد اللَّه أن يكون سنّة لمن بعدكم » « 7 » .
وقيل : المعنى لا يستغرقه النوم حتّى يحدث منه حدث . وقال محيي الدين : وعندي أنّه لا تعارض بينهما ، لأنّه أخبر أنّ عينيه تنامان وهما اللّتان نامتا هنا ؛ لأنّ طلوع الفجر إنّما
هامش
( 1 ) . تنوير الحوالك ، ص 34 ، المحلّى ، ج 3 ، ص 26 - 27 .
( 2 ) . شرح المازندراني ، ج 5 ، ص 62 . وحديث النهي عن الصلاة في أرض بابل تجده في : سنن أبي داود ، ج 1 ، ص 118 ، ح 490 ؛ والسنن الكبرى للبيهقي ، ج 2 ، ص 451 ؛ كنز العمّال ، ج 8 ، ص 193 ، ح 22512 .
( 3 ) . طه ( 20 ) : 14 .
( 4 ) . عمدة القاري ، ج 4 ، ص 29 .
( 5 ) . مسند أحمد ، ج 2 ، ص 251 و 438 ؛ صحيح البخاري ، ج 4 ، ص 168 ؛ صحيح ابن حبّان ، ج 3 ، ص 297 ؛ المنتقى من السنن ، ص 16 .
( 6 ) . هذا فقرة من الحديث 9 من هذا الباب .
( 7 ) . الاستذكار ، ج 1 ، ص 76 ؛ التمهيد ، ج 6 ، ص 392 ؛ عمدة القاري ، ج 4 ، ص 28 ؛ الشفاء ، ج 2 ، ص 154 ؛ نصب الراية ، ج 2 ، ص 183 . ونحوه في السنن الكبرى للنسائي ، ج 5 ، ص 268 ، ح 8854 .