وإنّما اختلفوا في تعيين هذه ، فاشتهر هو بين الأصحاب ، وذهب جماعة منهم إلى استحبابه كما عرفت ، وأجمع العامّة على استحباب عكسها ، فتأمّل .
وهل يجب غسل المرفق أصالة ؟ نفاه جماعة « 1 » ؛ نظراً إلى خروج الغاية عن المُغيّا ، وقيل به بناء على أنّ إلى بمعنى مع ، وهو المشهور بين الأصحاب ، بل لا أعرف مخالفاً له منهم سوى العلّامة في المنتهى « 2 » حيث أوجبه من باب المقدّمة . وفي كنز العرفان :
والحقّ أنّها للغاية ولا يقتضي دخول ما بعدها فيما قبلها ولا خروجه عنه ؛ لوروده معهما ، أمّا الدخول فكقولك : حفظت القرآن من أوّله إلى آخره ، ومنه :
« سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى »
« 3 » ، وأمّا الخروج فك
« أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ »
« 4 » ، و
« فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ »
« 5 » ، والدخول مستفاد من بيان النبيّ صلى الله عليه وآله ؛ فإنّه ابتدأ بالمرفقين وأدخلهما وقد قال : « هذا وضوء لا يقبل اللَّه تعالى الصلاة إلّا به .
انتهى .
والظاهر الدخول هنا البتّة ؛ لأنّ الحدّ فيه من جنس المحدود ، وقد نقل عن سيبويه « 6 » أنّه قال : « إن كان الحدّ من جنس المحدود دخل الغاية كقولك : بعتك هذا الثوب من
هامش
( 1 ) . نسبه العلّامة في منتهى المطلب ، ج 2 ، ص 33 - 34 إلى بعض أصحاب مالك وابن داود وزفر ، فانظر : بداية المجتهد ، ج 1 ، ص 13 ، فإنّه نسب الخلاف إلى بعض متأخّري أصحاب مالك وبعض أهل الظاهر والطبري ؛ بدائع الصنائع ، ج 1 ، ص 4 ، فإنّه حكى الخلاف عن زفر ؛ المغني ، ج 1 ، ص 107 ، فإنّه نسب الخلاف إلى بعض أصحاب مالك وابن داود وحكى عن زفر ؛ المجموع للنووي ، ج 1 ، ص 385 ، فإنّه حكى الخلاف عن زفر وأبي بكر بن داود .
( 2 ) . راجع : منتهى المطلب ، ج 1 ، ص 35 ، والظاهر من كلامه أنّه موافق لمذهب الأصحاب .
( 3 ) . الإسراء ( 17 ) : 1 .
( 4 ) . البقرة ( 2 ) : 187 .
( 5 ) . البقرة ( 2 ) : 280 .
( 6 ) . عمرو بن عثمان بن قنبر الحارثي أبو بشر أو أبو الحسن البيضاوي الشيرازي ، الملقّب بسيبويه ، إمام النحاة وأوّل من بسط علم النحو ، ولد في بيضاء شيراز ، وقدم البصرة فلزم الخليل وأخذ عنه ، وصنّف كتابه المسمّى « كتاب سيبويه » في النحو ، وقد كثرت كلمات علماء النحو في مدح كتابه ، ولهم عليه شروح وتعليقات ، وكان شابّاً أنيقاً جميلًا كأنّ في خدوده لون التفّاح ، ورحل إلى بغداد فناظر الكسائي ثمّ رجع إلى فارس ، توفّي حدود سنة 180 ه ق وهو شابّ ، وقبره بشيراز ، وقيل في محلّ وفاته ودفنه غير ذلك . راجع : سير أعلام النبلاء ، ج 8 ، ص 351 - 352 ، الرقم 97 ؛ الكنى والألقاب ، ج 2 ، ص 329 ؛ الأعلام للزركلي ، ج 5 ، ص 81 .