وقال العلّامة رحمه الله في المنتهى :
وللحنفيّة تقسيم آخر للنجاسة الواقعة في البئر ، قالوا : إمّا أن يكون ذا روح أو لا ، والثاني يوجب نزح الجميع كالبول والدم والخمر قلّت أو كثرت ، والأوّل لا يخلو إمّا أن يكون فأرة ونحوها كالعصفور وشبهه ، أو دجاجة ونحوها كالسنّور ، أو شاة ونحوها كالإنسان ، فلا يخلو إمّا أن يخرج حيّاً أو ميّتاً ، وبعد الموت لا يخلو إمّا أن يكون منتفخة أو متفسّخة تمعّط « 1 » شعرها ، أو غير منتفخة وغير متفسّخة ولم يتمعّط شعرها ، فإن خرج حيّاً فلا يوجب النزح شيء منها إلّا الكلب والخنزير ، ذكره القاضي الشهيد في نكته وقال : إنّ الفأرة إذا وقعت في البئر هاربة من الهرّ فإنّها توجب تنجيس ماء البئر وإن خرجت حيّة ؛ لأنّها تبول من فزعها ، وكذا الهرّة إذا وقعت فيها هاربة من الكلب وغير الكلب ، والخنزير إذا خرج حيّاً لم ينزح له شيء إذا لم يصب الماء فمه ، فإن أصاب فمه فإن كان سؤره طاهراً فالماء طاهر ، وإن كان نجساً فالماء نجس ، وإن كان مكروهاً فالماء مكروه ، ويستحبّ أن ينزح منها عشر دلاء ، وإن كان سؤره مشكوكاً كالبغل والحمار نزح الماء كلّه ، كذا ذكر في الفتاوى عن أبي يوسف « 2 » ، وإن استخرج بعد التفسّخ وتمعّط الشعر نزح الماء كلّه ، وإن استخرج قبله بعد الموت ؛ فإن كان فأرة ونحوها نزح منها عشرون دلواً أو ثلاثون بعد إخراجها ، وإن كان سنّوراً أو شبهه نزح منها أربعون أو خمسون ، وإن كان شاة وشبهها نزح الماء كلّه حتّى يغلبهم الماء ، وفي الإوَّزة والسخلة والجدي روايتان عن أبي حنيفة ؛ إحداهما أنّها كالشاة ، والأخرى أنّها كالدجاجة .
ثمّ اختلفوا في نزح الماء كلّه ، فقال محمّد « 3 » في النوادر : إذا نزح ثلاثمائة دلواً ومائتا دلو « 4 » فإن لم ينزف فقد غلبهم الماء ، وروي عن أبي حنيفة أنّه قال : ينزح منها مائتا دلو ، وفي رواية مائة دلو ، وعن أبي يوسف روايتان ، إحداهما : يحفر جانبها حفرة مقدار عرض الماء وطوله وعمقه فتُجَصَّص وينزح ماؤها فيصبّ فيها حتّى تملأ ، فإذا امتلأت
هامش
( 1 ) . المثبت من المصدر ، وفي الأصل : « تمعط » ، وكذا في الموردين التاليين . وامتعط شعره وتمعط : تساقط .
( 2 ) . حكاه عنه أبو بكر الكاشاني في بدائع الصنائع ، ج 1 ، ص 74 - 75 .
( 3 ) . هو محمّد بن الحسن الشيباني ، تقدّمت ترجمته .
( 4 ) . حكاه عنه الكاشاني في بدائع الصنائع ، ج 1 ، ص 86 ؛ والسرخسي في المبسوط ، ج 1 ، ص 59 .