لا يقال : قد دلّت صحيحة زرارة على تضمّن القرآن المجيد الأمر بالدعاء في الصلاة - أعني القنوت - ، ولا دلالة في شيء من الآيات على وجوب القنوت سوى هذه الآية ؛ فيكون القنوت فيها بمعنى الدعاء .
لأنّا نقول : لا بدّ من أن يراد بالدعاء في الحديث مطلقُ الذكر ، لأنّه لا قائل بوجوب الدعاء بخصوصه في الصلاة ؛ فإنّ القائلين بوجوب القنوت لا يشترطون فيه الدعاء بل يكتفون بمطلق الذكر ولو ثلاث تسبيحات . بل الأصحاب صرّحوا بأنّ الأفضل فيه كلمات الفرج ، وليس فيها دعاء .
وعلى هذا يكون المراد به - واللّه أعلم - ما ذكره صاحب الكشّاف من الذكر ؛ فيكون إشارة إلى ما يقال في الركعتين الأخيرتين ، أو يكون معنى « مَا فَرَضَ اللَّهُ » في الحديث « ما أوجب اللّه » . والمراد ب « السنّة » الندب ، لا ما ثبت وجوبه بالقرآن وما ثبت بالسنّة .
ويؤيّده عدم ثبوت وجوب التوجّه - أعني تكبيرة الافتتاح - بالقرآن ؛ فإنّ حمل بعض التكبير المأمور به في القرآن العزيز على تكبيرة الإحرام بدون قرينة بعيدٌ جدّاً . وحينئذٍ فيمكن أن يكون المراد بالدعاء القراءةُ وسائر الأذكار الواجبة .
سلّمنا كون القنوت في الآية بمعنى الدعاء ، لكنّ المأمور به إنّما هو القيام ، فهو إمّا قيام حقيقيّ أو كناية عن الاشتغال بالعبادة لله تعالى في حال القنوت .
فالواجب حينئذٍ هو القيام حال القنوت لا القنوت وإن استلزمه ؛ فإنّه على هذا التقدير يكون مشروطاً ، أي : « إن قنتّم فقوموا » .
[ المناقشة في الاستدلال بالروايات على وجوب القنوت في الصلاة ]
وأمّا الثاني فضعيف السند لا يصلح لمعارضة الأخبار الصحيحة ، مع إمكان حمله على التأكيد على أنّه أخصّ من الدعوى ، إذ تركه متعمّداً قد يكون رغبةً عنه وقد لا يكون .
وأمّا الثالث فقد عرفت ما فيه . وأمّا الرابع فالاستدلال به عجيب ؛ فإنّه يدلّ على استحباب قضاء القنوت بعد الركوع وأنّ وقت القضاء يفوت بفواته . وحمل « الشيء » في قوله عليه السلام « فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ » على الإثم بعيد ، بل الظاهر أنّ المراد به « القضاء » كما يدلّ عليه السياق . مع أنّه معارضة بصحيحة معاوية بن عمّار عن الصادق عليه السلام : « إِنَّهُ سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يَنْسَى الْقُنُوتَ حَتَّى يَرْكَعَ ، أَ يَقْنُتُ ؟ قَالَ : لَا » « 1 » .
هامش
( 1 ) . التهذيب ، ج 2 ، ص 161 ، ح 91 ؛ الاستبصار ، ج 1 ، ص 345 ، ح 6 ؛ الوسائل ، ج 6 ، ص 288 ، ح 7992 .