نفسي نفسي ، وأنت تقول : يا ربّ أمّتي أمّتي ، ثم يوضع عليها صراط أدقّ من الشعر ، وأحدّ من السيف ، عليه ثلاث قناطر : الأولى عليها الأمانة والرحمة ، والثانية عليها الصلاة ، والثالثة عليها ربّ العالمين لا إله غيره ، فيكلّفون الممرّ عليها ، فتحبسهم الرحمة والأمانة ، فإن نجوا منها حبستهم الصلاة ، فإن نجوا منها كان المنتهى إلى ربّ العالمين ، وهو قول اللّه تعالى :
إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ
« 1 » .
والناس على الصراط ، فمتعلّق يزلّ قدم ، ويثبت قدم والملائكة حولها ينادون :
يا حليم يا كريم اعف واصفح وعد بفضلك وسلّم ، والناس يتهافتون فيها كالفراش ، فإذا نجا ناج برحمة اللّه تعالى نظر إليها فقال : الحمد للّه الذي نجّاني منك بعد يأس بفضله ومنّه ، إنّ ربّنا لغفور شكور » « 2 » .
* بيان
« جهنّم » عبارة عن باطن هذه النشأة إذا ظهرت في النشأة الأخرى وبرّزت ، وإنّما تقاد بألف زمام لأنّها عالم التضادّ ، فلا تجتمع أجزاؤها إلّا بأزمّة التسخير بأيدي ملائكة غلاظ شداد و « الهدّة » الهدم الشديد والصوت الغليظ و « التحطّم » التلظّي و « الحطمة » كهمزة : من أسماء جهنّم ، وكذا لظى و « الزفير » صوت النار إذا توقدت و « الشهيق » تردّد البكاء في الصدر ، ونهاق الحمار و « العنق » القطعة من الشيء .
و « الصراط » هو الطريق إلى الآخرة ، وبيان ذلك أنّ لكلّ إنسان من ابتداء حدوثه إلى منتهى عمره انتقالات جبلّية وحركات طبيعية لا يزال ينتقل من صورة إلى صورة حتى يتّصل بالعالم العقلي ويلحق بالملإ الأعلى إن ساعد التوفيق وكان من الكاملين ، أو بأصحاب اليمين إن كان من المتوسّطين ، ويحشر مع الشياطين والحشرات في عالم الظلمات إن ولّاه الطبع أو الشيطان وقارنه الخذلان ، وهذا معنى الصراط والمستقيم منه : ما إذا سلكه أوصله إلى الجنة ، وهو ما يشتمل عليه الشرع
وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِراطِ اللَّهِ
« 3 » وهو صراط التوحيد والمعرفة ، والتوسّط بين الأضداد في الأخلاق ، والتزام صوالح الأعمال ، وبالجملة صورة الهدى الذي استفاده المؤمن من إمامه ، ويسلكه ما دام في هذه النشأة ، وهو أدقّ من الشعر ، وأحدّ من السيف ، مظلم لا يهتدي إليه إلّا من جعل اللّه له نورا يمشي به في الناس ، يسعى الناس عليه على قدر أنوارهم ، وهو هنا معنى كسائر
هامش
( 1 ) . الفجر ( 89 ) : 14 .
( 2 ) . الكافي 8 : 312 / 486 .
( 3 ) . الشورى ( 42 ) : 52 - 53 .