كأنّها سواتر على اللّه سبحانه مانعة من رؤية قدرته وعظمته عزّ وجلّ « أنصتوا أو استمعوا » كناية عن توجّههم بشراشر نفوسهم ، واجتماع هممهم بالكلية إلى جناب القدس « فيسمع آخرهم كما يسمع أوّلهم » كناية عن عدم تفاوتهم في ذلك التوجه والإصغاء ، وسلب القرب والبعد المكاني ، ونفي الجهر والإخفات الصوتي عن ذلك « فتنكسر أصواتهم » هذه الفقرات الأربع كناية عن رؤية عجزهم الذاتي والاطلاع على وهنهم الجبلّي .
و « الفرائص » أوداج العنق ، واللحمة بين الجنب والكتف التي لا تزال ترعد بالأهوال « مهطعين » مسرعين و « أثيب على الهبات » أي هبات المظالم وإبراء الذمم « فيشتدّ حالهم » لما رأوا من شغل ذممهم بالمظالم ، وتردّدهم في إبراء خصمائهم من مظالمهم أو أخذهم بها لجهلهم بأنّ أيّ ذلك أنفع لهم و « يطلع اللّه على جهدهم » يعني أنّهم يطّلعون وقتئذ على اطّلاع اللّه على مشقّتهم ، وإلّا فإنّ اللّه سبحانه لم يزل ولا يزال مطلعا على السرائر والعلن « أن يطلع » من باب الإفعال « في حفافة القصر » أي جوانبه « الوصائف والخدم » من باب عطف أحد المترادفين على الاخر ، أو الخدم أعمّ من الإناث « فيكرد » يطرد .
« العرصة » الموضع الذي لا بناء فيه ، كناية عن انتهائهم إلى مقام لا حجاب لهم على أنفسهم ، لا من أنفسهم ولا من غيرهم ، لصيرورة الغيب عندهم شهادة ، والسرّ علانية ، والخبر عيانا « قد نشرت الدواوين » الدواوين : كناية عن نفوسهم التي هي صحائف أعمالهم من خير أو شرّ يعمله ويرى أثره مكتوبا ، ولا سيّما ما رسخت بسبب الهيئات ، وتأكّدت به الصفات ، وصار خلقا وملكة ، فإنّ ذلك ممّا يوجب خلود الثواب والعقاب ، ونشرها كناية عن انكشافها لديهم دفعة واحدة بالموت وكشف الغطاء ورفع شواغل ما كان يورده الحواس في دار الدنيا ، فيقال :
لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ
« 1 »
هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
« 2 » ، فمن كان في غفلة عن ذاته وحساب سرّه ، فإذا وقع بصره على ذلك ، والتفت إلى صفحة باطنه وصحيفة قلبه ، يقول :
ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً
« 3 » .
روي عن الصادق عليه السّلام أنّه قال : « يذكر العبد جميع أعماله وما كتب عليه حتى كأنّه فعله تلك الساعة ، فلذلك قالوا
يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً
هامش
( 1 ) . ق ( 50 ) : 22 .
( 2 ) . الجائية ( 45 ) : 29 .
( 3 ) . الكهف ( 18 ) : 49 .