تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشافي في العقائد والأخلاق والأحكام — صفحة 848

مساهمون:

ص٨٤٨
خالص دين اللّه شغل قلبه عمّا سواه . يا جابر ، ما الدنيا وما عسى أن تكون الدنيا ؟ هل هي إلّا طعام أكلته ، أو ثوب لبسته ، أو امرأة أصبتها ! يا جابر ، إنّ المؤمنين لم يطمئنّوا إلى الدنيا ببقائهم فيها ، ولم يأمنوا قدومهم الآخرة . يا جابر ، الآخرة دار قرار ، والدنيا دار فناء وزوال ، ولكنّ أهل الدنيا أهل غفلة ، وكأنّ المؤمنين هم الفقهاء أهل فكرة وعبرة ، لم يصمّهم عن ذكر اللّه تعالى ما سمعوا باذانهم ، ولم يعمهم عن ذكر اللّه ما رأوا من الزينة بأعينهم ، ففازوا بثواب الآخرة كما فازوا بذلك العلم . واعلم يا جابر أنّ أهل التقوى أيسر أهل الدنيا مئونة ، وأكثرهم لك معونة ، تذكر فيعينونك ، وإن نسيت ذكّروك ، قوّالون بأمر اللّه ، قوّامون على أمر اللّه ، قطعوا محبّتهم بمحبّة ربّهم ، ووحشوا الدنيا لطاعة مليكهم ، ونظروا إلى اللّه تعالى وإلى محبّته بقلوبهم ، وعلموا أنّ ذلك هو المنظور إليه لعظيم شأنه ، فأنزل الدنيا كمنزل نزلته . ثم ارتحلت عنه ، أو كمال وجدته في منامك فاستيقظت وليس معك منه شيء ، إنّي إنّما ضربت لك هذا مثلا ، لأنّها عند أهل اللبّ والعلم باللّه كفيء الظلال . يا جابر ، فاحفظ ما استرعاك اللّه من دينه وحكمته ، ولا تسألنّ عمّا لك عنده إلّا ما له عند نفسك ، فإن تكن الدنيا على غير ما وصفت لك ، فتحوّل إلى دار المستعتب ، فلعمري لربّ حريص على أمر قد شقي به حين أتاه ، ولربّ كاره لأمر قد سعد به حين أتاه ، وذلك قول اللّه تعالى :
وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ
» « 1 » . [ 2293 ] 2 . الكافي : حفص بن غياث ، عن الصادق عليه السّلام قال : قال : « إن قدرتم ألا تعرفوا فافعلوا ، وما عليك إن لم يثن الناس عليك ، وما عليك أن تكون مذموما عند الناس إذا كنت محمودا عند اللّه تعالى ، إنّ أمير المؤمنين عليه السّلام كان يقول : لا خير في الدنيا إلّا لأحد رجلين : رجل يزداد فيها كلّ يوم إحسانا ، ورجل يتدارك منيّته بالتوبة . وأنّى له بالتوبة ! فو اللّه أن لو سجد حتى ينقطع عنقه ما قبل اللّه منه عملا إلّا بولايتنا أهل البيت ، ألا ومن عرف حقّنا ، ورجا الثواب بنا ، ورضي بقوته - نصف مدّ كلّ يوم - وما يستر به عورته ،
هامش
( 1 ) . الكافي 2 : 132 / 16 ، والآية من سورة آل عمران ( 2 ) : 141 .
الشافي في العقائد والأخلاق والأحكام — صفحة 848 | الفيض الكاشاني / مهدى انصارى قمى