قيل : كيف يتفكّر ؟ قال : « يمرّ بالخربة أو بالدار ، فيقول : أين ساكنوك ، أين بانوك ، ما لك لا تتكلّمين ؟ » « 1 » .
* بيان
التفكّر لكلّ أحد إنّما يكون بحسب عقله وفهمه ورتبته ، فتفكّر أولي الألباب إنّما يكون في أفعال اللّه سبحانه وعجائب صنعه وبدائع أمره في خلقه ، وما ينبّه على جلاله وكبريائه وتقدّسه وتعاليه ، وما يدلّ على كمال علمه وحكمته ونفاذ مشيئته وقدرته وإحاطته بالأشياء ومعيّته لها ، ونحو ذلك ، قال اللّه تعالى :
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ
« 2 » وقال سبحانه : « ومن آياته » في مواضع كثيرة فتلك الآيات هي مجاري التفكّر في اللّه وفي قدرته وفي أمره .
وتفكّر المتوسّطين ، إنّما يكون في المعاملة بينهم وبين ربّهم في حسناتهم وسيّئاتهم ، وفيما يفعل بهم من اللطف والإحسان والحلم والعفو وغير ذلك ، فإنّه إذا تفكّر العبد في حسناته ، هل هي تامّة أو ناقصة ، موافقة للسنّة أو مخالفة لها ، خالصة عن الشرك أو الشّك أو مشوبة بهما ؟ يدعوه لا محالة هذا التفكّر إلى إصلاحها وتدارك ما فيها من الخلل ، وكذا إذا تفكّر في سيّئاته وما يترتّب عليها من العقوبات والبعد عن اللّه سبحانه ، يدعوه ذلك إلى الانتهاء عنها وتدارك ما أتى بها بالتوبة والندم ، وإذا تفكّر في صفات اللّه وأفعاله من لطفه بعباده وإحسانه إليهم بسوابغ النّعماء وبسط الآلاء والتكليف دون الطاقة والوعد لعمل قليل بثواب جزيل وتسخيره له ما في السماوات والأرض وما بينهما إلى غير ذلك ، يدعوه ذلك لا محالة إلى البرّ والعمل به والرغبة في الطاعات والانتهاء عن المعاصي ، وهذا هو المشار إليه في الحديث الثالث ، وتفكّر العامّة هو المفسّر به الحديث النبويّ في الخبر الأخير .
هامش
( 1 ) . الكافي 2 : 51 / 2 .
( 2 ) . آل عمران ( 3 ) : 190 - 191 .