ما يريد ، لا معقّب لحكمه ، ولا رادّ لقضائه
لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ
« 1 » هذا - يا إبراهيم - من باطن علم اللّه المكنون ، ومن سرّه المخزون » « 2 » .
أقول : السرّ في ذلك أنّ الناصب والكافر بحسب مقتضى طبيعته الخبيثة ، إنما يحنّ وينزع إلى المعاصي بطبعه وسجيّته ، وضميره معقود على فعلها دائما إن تيسّر له لأنّه من أهلها ، كما قال اللّه تعالى في مثله :
وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ
« 3 » والأفعال الحسنة غريبة منه ، ليس صدورها من طينته الأصلية ، وهذا بخلاف المؤمن ، فإنّه بحسب مقتضى طينته الطيّبة إنّما يرتكب القبيح بكره من عقله ووجل من قلبه وخوف من ربّه ، لأنّ صدوره منه غريب من سجيّته وطبعه الأصلي ، إذ ليس هو من أهله ، ولهذا لا يعاقب عليه ، بل يثاب بما لم يفعل من الخيرات لحنينه إليها ، وحرصه عليها ، وعقد ضميره على فعلها دائما إن تيسّر له « فإنّ الأعمال بالنيّات ، وإنّما لكلّ امرئ ما نوى » وإنما نوى كلّ ما يناسب طينته الأصلية ، وتقتضيه جبلّته التي خلق عليها ، قال اللّه تعالى :
قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلًا
« 4 » ولهذا ورد في الحديث : « إنّ كلّا من أهل الجنّة والنار إنّما يخلّدون فيما يخلّدون على نياتهم » « 5 » .
هامش
( 1 ) . الأنبياء ( 21 ) : 23 .
( 2 ) . الوافي : 3 / 45 .
( 3 ) . الأنعام ( 6 ) : 28 .
( 4 ) . الاسراء : 83 .
( 5 ) . بحار الأنوار 64 : 109 / 3 .