فما ظنك بمن تأخر عنهم ؛ مع بعد العهد وذهاب أكثر الأصول التي كانت عند القدماء وانحصار النقل عندهم في كتب معدودة ، ومع ذلك دخلت الشبهة في أمرها حتى توهموا أن كل ما فيها أخبار آحاد مجردة عن القرائن .
هذا مع ملازمتهم لمطالعة كتب العامة وما فيها من الدقة والمناسبات العقلية التي تميل إليها الطباع أكثر مما تميل إلى الأمور المسلّمة والتعبدات الصرفة ، كيف لا يغفلون عن طريق القدماء .
فأول غفلة دخلت عليهم الطعن في الاخبار التي حكم القدماء بصحتها ثم لم تزل الشبهة تتضاعف لما رأوه مكررا في كتب أصول العامة من جواز استنباط أحكامه تعالى للمجتهد من القواعد والأدلة الظنية الدلالة وأنه يجب عليه العمل بظنه ، وعلى من ليس بمجتهد تقليده فيه ، فمالوا إلى هذا الطريق وغفلوا عما يلزمه من الفساد لذلك .
وهو اما القول بأن مظنونات المجتهدين التي لا تستند إلى النص الصريح ليست من الشريعة المطهرة . أو القول بأن حلال الشريعة وحرامها لا يستمران إلى يوم القيامة لتبدلها بتبدل ظنون المجتهدين مع ما تظافرت به النصوص من أن ( حلال محمد - ص - حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة ) .
فان قلت : هذا لازم للأخباريين أيضا فيما اختلفوا فيه ؛ لاختلاف الأحاديث ،
قلت : ليسوا سواء فان الايمة ( ع ) رخصوا في العمل بالاخبار المختلفة للضرورة وأمروا الشيعة بالرجوع إلى رواة الاخبار في زمن الغيبة ، ولم يرد عنهم ( ع ) اذن في اثبات احكامه تعالى لا نفيا بالبراءة الأصلية ، ولا اثباتا بالاستصحاب .
هداية الأبرار إلى طريق الأئمة الأطهار ( ع ) — صفحة 307
مساهمون: الشيخ حسين الكركي العاملي
ص٣٠٧