ولا يكفي وقوع ذلك في قلبه حتّى يكون عن أمارة تدلّ على ما خافه .
ولا تنتقض الهدنة بتيسّر الخوف ، بل للإمام نقضها ، وهذا بخلاف الذمّيّ إذا خيف منه الخيانة ، فإنّ عقد الذمّة لا ينتقض بذلك ؛ لأنّ عقد الذمّة يعقد لحقّ أهل الكتاب ؛ بدليل أنّه يجب على الإمام إجابتهم إليه ، وعقد الهدنة والأمان لمصلحة المسلمين لا لحقّهم ، فافترقا .
ولأنّ عقد الذمّة آكد ؛ لأنّه عقد معاوضة ، ولأنّه مؤبّد ، بخلاف الهدنة والأمان ، ولهذا لو نقض بعض أهل الذمّة وسكت الباقون ، لم ينتقض عهدهم ، ولو كان في الهدنة انتقض .
ولأنّ أهل الذمّة في قبضة الإمام وتحت ولايته ، ولا يخشى الضرر كثيرا من نقضهم ، بخلاف أهل الهدنة ، فإنّ الإمام يخاف منهم الغارة على المسلمين والضرر الكثير منهم على المسلمين .
مسألة : إذا نقضت الهدنة لخوف الإمام ونبذ إليهم عهدهم ،
فإنّه يردّهم إلى مأمنهم ، ثمّ يكونون حربا ، فإن كانوا لم يبرحوا « 1 » حصنهم جاز قتالهم بعد النبذ إليهم ؛ لأنّهم في منعتهم كما كانوا قبل العقد . وإن كانوا قد نزلوا فصاروا في عسكر المسلمين ، ردّهم الإمام إلى مأمنهم ؛ لأنّهم دخلوا إليه من مأمنهم ، فكان عليه ردّهم إليه ؛ لأنّه لولا ذلك « 2 » ، لكان خيانة من المسلمين ، واللّه لا يحبّ الخائنين .
إذا ثبت هذا : فإذا زال عقد الهدنة ، نظر فيما زال به ، فإن لم يتضمّن وجوب حقّ عليه ، مثل أن يأوي لهم عينا ، أو يخبرهم بخبر المسلمين ويطلعهم على عوراتهم ، ردّه إلى مأمنه ، ولا شيء عليه . وإن كان يوجب حقّا ، فإن كان لآدميّ ، كقتل نفس أو إتلاف مال ، استوفي ذلك منه ، وإن كان للّه تعالى محضا ، كحدّ الزنا والشرب ، أقيم
هامش
( 1 ) خا : لم ينزلوا . برح مكانه : أي زال عنه . لسان العرب 2 : 408 .
( 2 ) كثير من النسخ : لو كان ذلك ، مكان : لولا ذلك .