الممثلة ما خلا من مقالاتها في الأنام ، فهي دار انتياب « 1 » النوائب ، ومصاب المصائب ، وحدوث الحوادث وإلمام الآلام ، دار صفوها أكدار ، وسلمها حرب تدار ، وأمنها خوف وحذار ، ونظمها تفرق وانتشار ، واتّصالها انقطاع وانصرام ، ووجودها فناء وانعدام ، وبناؤها تضعضع وانهدام ، ينادي كلّ يوم بناديها منادي الحمام ، فلا قرار بهذه الغرّارة ولا مقام ، ولا بقاء لساكنيها ولا دوام . فبئست الدار دارا لا تدارى ، ولا تقيل لعائرها عثارا ، ولا تقبل لمعتذر اعتذارا ، ولا تقي « 2 » من جورها حليفا ولا جارا ، وليس لها من عهد ولا ذمام « 3 » ، كم فتكت بقوم غافلين عنها نيام ، كم نازلت بنوازلها من قباب وخيام ، كم بدلت من سلامة بداء ومن صحة بسقام ، كم رمت أغراض القلوب بمصميات « 4 » السّهام ، كم جردت في البرايا للمنايا من حسام ، كم بدّدت بأكفّ النائبات الناهبات من عطايا جسام ، كم أبادت طوارق حوادثها من شيخ وكهل وغلام . لا تبقي على أحد ، ولا ترثي لوالد ولا ولد ، ولا تخلد سرورا في خلد ، ولا يمتدّ فيها لآمل أمد ، بينا يقال قد وجد ، إذ قيل قد فقد ، بعدا لها قد طبعت على نكد وكمد ، فالفرح فيها ترح ، والحبرة عبرة ، والضحك والابتسام ، بكاء وأدمع سجام . تفرق الأحبة بعد اجتماعهم ، وتسكن الوحشة مؤنس رباعهم ، وتستبيح « 5 » بالحمام حمى الأعزّة فلا سبيل إلى امتناعهم ، وتستحثّ ركائب الخلائق على اختلاف أنواعهم ، إلى مصيرهم إلى اللّه عزّ وجلّ وارتجاعهم ، فيسيرون طوع الزمام ، ويلقون مقادة التذلّل والاستسلام ، حتى يلجؤوا بالرّغام « 6 » ، وينزلوا بطون الرّجام « 7 » ، ويحلّوا الوهد بعد المقام السام ، فلا ناج من خطبها العظيم ولا سليم ، يتساوى في حكم المنيّة الأغرّ والبهيم ، والأعزّ والمضيم . ولو أنه ينجو من ذلك مجدّ صميم ، وجدّ كريم ، وحظّ عظيم ، ومضاء وعزيم ، ومزية وتقديم ، وحديث في الفضل وقديم ، وشرف لسمك السّماوات مسام ، وعلا على ساق العرش المجيد ذو ارتسام ، لنجا حبيب الملك العلام ، وسيّد السادات الأعلام ، وصفوة الصفوة الكرام ، وخاتم الأنبياء ولبنة التمام ، وصباح الهدى ومصباح الظلام ، والأبيض المستسقى به غيث الغمام ، ثمال الأرامل وعصمة الأيتام ، عليه أفضل الصلاة والسلام ، لكن مع قدره الجليل وفضله الجلي ، أقدم الموت على جانبه
هامش
( 1 ) انتابته : نزلت به ، مثل نابته . والنوائب : المصائب .
( 2 ) تقي : تحفظ .
( 3 ) الذمام ، بالكسر : العهود .
( 4 ) المصميات : التي تصيب المقتل ، جمع مصم اسم فاعل من « أصمى » .
( 5 ) في ب : « وتبيع » .
( 6 ) الرغام : التراب .
( 7 ) الرجام : جمع رجم - بالتحريك - وهو القبر .