عروقه إلّا كرجوع العصا حيّة تسعى ، وما تفجّر الحجر بالماء بأعجب من بنانه نبعت بالعذب الفرات نبعا ، فارتوى منه خمسمائة وقد كان يكفي آلافا فكيف المئين ، وكم له عليه الصلاة والسلام من معجزة تبهر ، وآية هي من أختها أكبر ، رجعت له الشمس وانشقّ القمر ، وكلّمه الضبّ وأخبر به الذئب وسلّم عليه الشجر والحجر ، وكان للجذع عند فراقه إعلانا بوجده واشتياقه أنّة وحنين « 1 » ، أعطي من المعجزات ما مثله غبط « 2 » عليه البشر ، وكانت له في الغار آيات بيّنات خفي بها على القوم الأثر ، وارتج لمولده إيوان كسرى وخمدت نار فارس وكان ضرمها يتسعّر ، وأتته أخبار السماء فما عمي في الأرض الخبر ، فحدث عن الغيوب وما هو على الغيب بضنين ، وجعل له القرآن معجرة تتلى ، يبلى الزمان وهي لا تبلى ، وتعلو كلماتها على الكلم ولا تعلى ، وتجلى آياتها في عين آيات الشمس حين تجلى ، فيتوارى منها بالحجاب حاجب وجبين ، بهر إعجاز التنزيل العلي ، وظهر به صدق النبي العربي ، فكم نادى لسان عزّه في النّديّ ، يا أهل البديهة « 3 » من الفصحاء والرّويّ : قل فاتوا بسورة مثله « 4 » فلم يكونوا لها مستطيعين . لقد خصّ نبيّنا عليه السلام بالآيات الكبر ، والدلالات الواضحة الغرر ، والمقامات السامية المظهر ، والكرامات المخلّدة للمفخر ، فهو سيّد الملإ النبوي والمعشر ، وحامل لواء الحمد في المحشر ، وصاحب المقام المحمود والكوثر ، والشفيع المشفّع يوم يقوم الناس لربّ العالمين ، صلّى اللّه عليه وعلى آله الطيبين ، وذرّيّته المباركين ، وصحابته الأكرمين ، وأزواجه أمهات المؤمنين ، صلاة موصولة تتردّد إلى يوم الدين ، وتصعد إلى السّماوات العلا فتكون كتابا في علّيّين ، وسلّم تسليما » .
ومن نثره في خطبة قوله : « أيها الناس ، رحمكم اللّه تعالى ! أصيخوا أسماعكم لمواعظ الأيام ، واعتبروا بأحاديثها اعتبار أولي النّهى « 5 » والأحلام ، وأحضروا لفهم موادّها أوعى القلوب وأصحّ الأفهام ، وانظروا آثارها بأعين المستيقظين ولا تنظروا بأعين النّوّام ، ولا تخد عنكم هذه الدنيا الدنيّة بتهاويل الأباطيل وأضغاث الأحلام ، ولا تنسينكم خدعها المموّهمة وخيالاتها
هامش
( 1 ) إشارة إلى ما روي بأن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان يخطب على جذع نخلة ، ثم أخذ له منبر ، فلما رقاه سمع للجذع حنين ، فنزل عليه الصلاة والسلام فالتزم الجذع فسكن حنينه ، وقال عليه الصلاة والسلام : لو لم أفعل لظل يحن إلى يوم القيامة » كما ورد .
( 2 ) في ب : « ما مثله آمن عليه . . » .
( 3 ) في ب : « بأهل البديهة » .
( 4 ) في ب : « بسورة من مثله » .
( 5 ) النهى : العقول . واحدها نهية . والأحلام : العقول أيضا .