تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 256

مساهمون:

ص٢٥٦
العلي ، وتقدم ملك الموت لقبض روحه القدسي ، وتغيب في الثرى جمال ذلك الوجه البهي ، وتغيض ماء السماء والندى ، لملك السماحة النبويّة والندى ، وأصيب المسلمون وأعظم بها مصيبة بنبيّهم العربي ، الهاشمي القرشي ، فيا له للإسلام « 1 » ، من مصاب أسلمنا للحزن أيّ إسلام ، وأسال مياه الدموع عن احتراق للضلوع واضطرام ، وأرانا أنّ الأسى في رزية لخير البرية واجب ، وأنّ التأسي حرام . وهل يسوغ الصبر الجميل ، في فقيد بكته الملائكة وجبريل ، وكثر له في السّماوات السبع النحيب والعويل ؟ انقطع به عن الأرض الوحي الحكيم والتنزيل ، وعظمت الرؤية « 2 » به أن يؤدي حقيقتها الوصف والتمثيل ، غداة أقفر منه الرّبع المحيل ، وأوحش من أنسه السفح والنخيل ، وكان من تلك الروح الطاهرة الوداع والرحيل ، وقامت البتول « 3 » تندب أباها بقلب قريح وجفن دام ، وتنادت الأمّة : مات الرسول ، ففي كل بيت بكاء وانتحاب ونوح والتزام ، وحارت الألباب والعقول فلا صبر هنالك لقد زلّت عن الصبر الأقدام . ولمّا نعيت إليه صلى اللّه عليه وسلم نفسه ، وآن أن تأفل من تلك المطالع شمسه ، آذن أمّته « 4 » بالفراق وأعلمهم ، وناشدهم في أخذ القصاص وكلّمهم ، مخافة أن يمضي إلى الملك الحقّ ، وعليه تباعة لأحد من الخلق ، وحاشاه عليه الصلاة والسلام ، من صفات جائر للأمّة ظلّام ، ولكنه تعريف من نبيّ الرحمة بما يجب وإعلام ، ثم استمرّ به صلوات اللّه وسلامه عليه وتمادى ، وزاد به السقم « 5 » المنتاب وتهادى ، حتى واراه ملحده ، وخلا منه ربعه ومسجده ، فعمّ الحزن والاكتئاب ، وتوارى النور فأظلم الجناب ، وعاد الأصحاب ، وكأنما دموعهم السحاب ، فقالت فاطمة وقد رابها من دفن أبيها الكريم ما راب : أطابت نفوسكم أن تحثوا على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم التراب ؟ فكأنّ كلامها للقلوب المفجعة كلام « 6 » ، وللعيون المفجّرة بالدموع انسفاح وانسجام . وفي مثل هذا الشهر شهر ربيع ، المشيد بذكر الأشجان المذيع ، كانت وفاة هذا النبيّ الهادي الشفيع ، وانتقاله إلى الملإ الأعلى والرفيق الرفيع ، حين ناداه ربّه إلى قربه ، فلبّى بشوق قلبه تلبية المهطع المطيع « 7 » ، وحنّ إلى حضرة القدس فانتظم حين حلّ بها ما كان من شمله الصّديع ، وانتظر من صنع الربّ جميل الصنيع ، وإنجاز وعد الشفيع في الجميع ، إذا أعطي لواء الحمد وقام محمود المقام ، ووقف على الحوض ينادي : هلمّوا إليّ أروكم من العطش والأوام . اللهمّ اسقنا من حوضه المورود ، وشرّفنا بلوائه المعقود ، وشفّعه فينا في اليوم المشهود ، وارحمنا به إذا صرنا
هامش
( 1 ) في ب : « وللإسلام » . ( 2 ) في ب : « وعظمت الرزية به » . ( 3 ) البتول : فاطمة الزهراء رضي اللّه عنها . ( 4 ) آذن أمته : أعلمها . ( 5 ) السقم : المرض . ( 6 ) الكلام : الندوب والجروح . ( 7 ) المهطع : المسرع .
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 256 | أحمد بن محمد المقري التلمساني / يوسف الشيخ محمد البقاعي