تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 242

مساهمون:

ص٢٤٢
وممّا نؤكّد عليهم فيه أمر الشهود ؛ فإنّ شهادة الزور هي الداء العضال ، والظّلمة التي يتستّر بها الظّلمة والضّلّال ، والحجّة الداحضة التي بها يحلّل الحرام ويحرم الحلال ، وقد كثر في هذا الزمان أهل الشهادة الفاسدة ، ونفقت بهم سوق الأباطيل الكاسدة ، فتقدّموا إلى القضاة وفّقهم اللّه تعالى أن لا يقبلوا إلّا مشهورا بزكاء وعدل ، موفى حظّه « 1 » من رجاحة وعقل ، ومن كان مغموزا عليه في أحواله ، منبوزا بالاسترابة في شهادته وأقواله ، فلتردّ شهادته على أدراجها ، وليبطل ما يكون من حجاجها . وأكدوا عليهم عند تعارض العقود في الترجيح ، والنظر في التعديل والتجريح ، لتجري أمور المسلمين على سنن المحق « 2 » المستبين ، وتبدو المعدلة مشرقة الغرّة مؤتلقة الجبين . وممّا نأمركم به أن تبحثوا عن العمال ، ولا تولّوا منهم إلّا الحسن الطريقة المرضيّ الأعمال ، ومن لم يكن منهم جاريا على القوانين المرعيّة ، ناصحا لبيت المال رفيقا بالرعيّة ، وكان في أمانته حائدا عن الجادة السويّة « 3 » ، قائلا كما قال قبله ابن اللتبية ، فليعوّض منه غيره ، وليرفع عن الجانبين ضيره ، فإنه ما كانت الخيانة قطّ في شيء إلّا أهلكته ، ولا وضعت في إنسان طبيعة سوء إلّا ملكته . وإنما هو مال اللّه تعالى الذي يرزق منه الحماة ، وبه تسدّ الثغور « 4 » المهمات ، فينبغي أن يختار له محتاط في اقتضائه وقبضه ، حافظ لدينه ومروءته في كلّه وبعضه ، فخذوا في انتقاء هذه الأصناف المسمين ، واطلبوا بهذه الأوصاف المصرفين والمولين ، واجمعوا من الاجتهاد الحميد والقصد والاعتماد الأثر والعين ، وأنصفوا منهم إن تظلّم من أحدهم متظلّم ، واشفوا شكوى كلّ متشك وألم كلّ متألّم ، واعلموا أنّ حرمة الأموال بحرمة الدماء لاحقة ، وأنّ إحدى القضيتين للأخرى مساوية ولا حقة ، ومن أكبر ما ورد في ذلك وأعظمه ، قول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « حرمة مال المسلم كحرمة دمه » . وليكن الناس في الحقّ سواء لا محاباة ولا مفاضلة ، ولا محاورة « 5 » في تغليب قوي على ضعيف ولا محاولة ، إنّ هذه أمتكم أمّة واحدة ، وإنّ دلائل الشرع بمراد اللّه سبحانه وتعالى
هامش
( 1 ) في ب : « موفورا حظه » . ( 2 ) في ب : « على مستوى الحق » . ( 3 ) الجادة : الطريقة . والسوية : المستقيمة . ( 4 ) الثغور : جمع ثغر وهو كل موضع تخشى غارة العدو من جهته . ( 5 ) في ب : « ولا مجاوزة » .