يجازى بحكمه المسيؤون والمحسنون ، ومن أحسن من اللّه حكما لقوم يوقنون . ألا وإنّا قد عثرنا لبعض قوّاد الجهادية « 1 » وحكّامها ، على أمور أنكرنا معرفاتها ، واستقبحنا مستوصفاتها ، وبرئنا إلى اللّه تعالى من متغيّراتها ومحرفاتها ، وعلمنا أنّ منهم أقواما لا يتورّعون عن الأموال والدماء ، ولا يحذرون فيما يأتون ويذرون جبّار الأرض والسماء ، فأزلنا بحمد اللّه ذلك ونحوه ، وعجلنا ابتغاء رضاه محقه ومحوه ، وانبعثنا لنظر جديد ، واستئناف لإصلاح أحوال وتسديد ، وتغليظ في المحرمات وتشديد ، واستقبلنا ما يوسع الأمور ربطا وضبطا ، ويفيض على الأمّة بعون اللّه تعالى عدلا وقسطا ، وتعين علينا فيما رأيناه إنفاذ الخطاب إلى كلّ من استكفيناه بالبلاد ، ووليناه النظر عنّا في مصالح العباد ، بما يكون إن شاء اللّه تعالى الاعتماد على فصوله ، والاستناد إلى محصوله ، والاجتهاد بحسب فروعه وأصوله .
فأوّل ما نوصيكم به وأنفسنا تقوى اللّه في كلّ حال ، ومراقبة أوامره ونواهيه عند كل انتحاء « 2 » وانتحال ، والوقوف عند حدود اللّه التي حدّها ، وأرصدها بإزاء موجباته وعدّها ، فإنه لا يتعدّاها إلّا من رام تعفّي رسمها وطمسه
وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ
[ سورة الطلاق ، الآية : 1 ] والمحافظة على ما به تحفظ الشريعة ، والملاحظة لما يضمّ الرعايا من حوزة أولي الحياطة المنيعة ، والمثابرة على ما تكف به أكفّ الاعتداء ، والمبادرة إلى الاهتمام بالسلف الصالح والاقتداء ، والطريقة المثلى ، وآيات اللّه التي تتلى ، وهداياته التي لأبصار البصائر تجلى ، وخفض الجناح ، والأخذ بالرفق والإنجاح ، وتوخّي الحقّ الذي هو أوضح انبلاجا من فلق الإصباح ، والحلم والأناة ، والمذاهب المستحسنات ، والأمور البيّنات .
واللّه اللّه في الدماء فإنها أوّل ما يقضى بين الناس يوم القيامة فيها ، ولا سبيل لاستحلالها إلّا بعد ثلاث : كفر بعد إيمان ، أو زنى بعد إحصان ، أو قتل المسلم لأخيه ، وقد قال مالك الأمر والخلق
وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ
[ سورة الأنعام ، الآية : 151 ] فتثبّتوا فيها فأمرها جليل ، وتحريمها لا يدخله تحليل ، وإياكم أن تجعلوا فيها لأحد من ولاة الجهاد حكما أو نظرا ، أو تكلوا إليهم منها مستكثرا أو مستنزرا ، فإنه إذا استبدّ بالقضاء فيها كلّ وال ذهبت هدرا ، واستباحها الجاهل والجائر أشرا وبطرا ، وربما كان فيهم من في طباعه سبعية فيقتل بها الناس قتلا ذريعا ، ويستسهل من ذلك بجوره صعبا « 3 » ويرتكب بجهله شنيعا ، ويذهل عن قول اللّه تعالى
مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً
[ سورة المائدة ، الآية : 32 ] فأنّى تحل المسامحة في هذا
هامش
( 1 ) في ب : « قواد الجهاد » .
( 2 ) انتحاه انتحاء : قصده .
( 3 ) في ب : « ويتسهل بذلك من جوره صعبا . . » .