ومن نظمه رحمه اللّه تعالى ملغزا في بطيخة : [ الطويل ]
وحبلى بأبناء لها قد تمخّضوا * بأحشائها من بعد ما ولدوها
كسوها غداة الطلق بردا معصفرا * على يقق أزرارها عقدوها « 1 »
ولمّا رأوها قد تكامل حسنها * وأبدر منها طالع حسدوها
فقدّوا قميص البدر بالبرق واجتلوا * أهلّتها من بعد ما فقدوها
ولو أنصفوا ما أنصفوا بدر تمّها * ولا أعدموا الحسناء إذ وجدوها
وقال أيضا ملغزا في الميل ، وهو المرود « 2 » : [ المجتث ]
مسترخص السوم غال * عال له أيّ حظوه
ما جاوز الشبر قدرا * لكنه ألف خطوه
وهذا استخدام ما به باس ؛ لأنه اكتسى من الحسن خير لباس ، وكم لهذا الكاتب من محاسن ، ماؤها غير آسن .
[ من ترجمة ابن الجيان عن « الإحاطة » ]
وقد عرّف لسان الدين في الإحاطة بابن الجيان ، وأطال في ترجمته ، ونشير إلى بعض ذلك باختصار .
وهو محمد بن محمد بن أحمد ، الأنصاري ، من أهل مرسية ، أبو عبد اللّه ، ابن الجيان .
كان محدّثا راوية ضابطا ، كاتبا بليغا شاعرا بارعا ، رائق الخطّ ، ديّنا فاضلا ، خيرا ذكيا ، استكتبه بعض أمراء الأندلس فكان يتبرّم من ذلك ويقلق منه ، ثم خلّصه اللّه تعالى منه ، وكان من أعاجيب الزمان في إفراط القماءة « 3 » حتى يظنّ رائيه الذي استدبره أنه طفل ابن ثمانية أعوام أو نحوها ، متناسب الخلقة ، لطيف الشمائل ، وقورا . خرج من بلده حين تمكّن العدوّ من قبضته سنة 640 ، فاستقرّ بأريولة إلى أن دعاه إلى سبتة الرئيس أبو علي بن خلاص ، فوفد عليه ، فأجلّ وفادته « 4 » ، وأجزل إفادته ، وحظي عنده حظوة تامّة . ثم توجّه إلى إفريقية ، فاستقرّ ببجاية . وكانت بينه وبين كتّاب عصره مكاتبات ظهرت فيها براعته . وروى ببلده وغيره عن أبي بكر بن خطاب ، وأبي الحسن سهل بن مالك ، وابن قطرال ، وأبي الربيع بن سالم ، وأبي عيسى بن أبي السداد ، وأبي علي الشلوبين وغيرهم . وكان له في الزهد ومدح النبي صلى اللّه عليه وسلم
هامش
( 1 ) اليقق : الناصع البياض .
( 2 ) المرود : الميل الذي يكتحل به .
( 3 ) القماءة : القصر .
( 4 ) أجل وفادته : عظم مقدمه ومجيئه .