الشان ، أو يحكم به كلّ إنسان في نفوس أهل الإيمان ؟ معاذ اللّه أن يكون هذا ونحن نعرفه ، أو ينصرف إليه نظرنا فلا نزيله ولا نصرفه ، فسدّوا هذا الباب سدّا ، وصدّوا عنه من أمّه صدّا ، وكفوا كلّ ما كان من الأيدي للدماء ممتدّا ، ومن وجب عليه القتل شرعا وتعيّن ، واتّضح موجب القصاص فيه وتبيّن ، فليس لكم إلّا القاعدة الكبرى ، تتحرّى فيها الأحكام عليه بمحضر القاضي والشهود كما يجب أن يتحرّى ، بعد أن يتثبّت في نازلته ويستحل ويستبرا « 1 » ، فلا تحل القضية إلّا على بصيرة ، وحقيقة مستنيرة ، فقد يلوح في اليوم ما خفي بالأمس ، ويتعذّر بعد الإفادة إعادة النفس .
وملاك الأمر في انتقاء من يتصرّف ، وتولية من لا يضيم ولا يتحيّف ، فتخيروا للأنظار والجهات ، من ترتضى سيرته من الولاة ، ولا تستعملوا أهل الفظاظة « 2 » والجهالة ، والمصرّين على الراحة والبطالة ، فإنهم إذا استرعوا أضاعوا ، وإذا دعاهم شيطان الهوى أطاعوا ، وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا ، وميلوا باختياركم إلى المتّسمين « 3 » بالصلاح ، المرتسمين في ديوان الكفاة النصاح ، وأطيلوا مع ذلك التنقير عنهم والتنقيب ، ولا تغفلوا عن التعهّد بالبحث البعيد منهم والقريب ، ومن عثرتم له على منكر من استباحة دم أو مال ، وإضاعة للحقوق وإهمال ، فخذوا على يده ، وجازوه بفاسد مقصده ، وأنزلوه بالمنزل الأقصى ، وعاملوه معاملة من أوصي بتقوى اللّه فما استوصى .
واصرفوا نظركم إلى القضاة فإنّ مدار الشريعة إنما هو على ما يستند إليهم ، ويقصر من الأحكام عليهم ، فإذا كانوا من أهل العلم والديانة ، وذوي النزاهة والصيانة ، أمسكهم الورع بزمامه ، وبلغ العهد بهم غاية تمامه ، وإذا كانوا بضدّ هذا قبلوا الرشوة ، وأوطؤوا العشوة ، وأطالوا النشوة ، وأحلّوا من الدماء والفروج محرمها ، وطمسوا من السنّة بالميل والمين « 4 » معلمها ، وحكموا بالهوادة والهوى ، وطووا من الحقّ ما انتشر ونشروا من الباطل ما انطوى ، فانتقوهم فهم أولى بالانتقاء « 5 » ، وشرّ جاسرهم وجاهلهم أحقّ بالاتّقاء ، ولا تقدموهم ولا غيرهم بالشفاعات والوسائل ، ولكن قدموهم بتورّعهم في القضايا وعلمهم بالمسائل .
هامش
( 1 ) يستبرا : أصله يستبرأ - بالهمزة - فسهل الهمزة بقلبها ألفا . وفي ب : « نازلته لديكم ويستجلى ويستبرا » .
( 2 ) الفظاظة : سوء الخلق . وفي القرآن الكريم :وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ.
( 3 ) المتسمين بالصلاح : الذين علامتهم الصلاح .
( 4 ) المين : الكذب .
( 5 ) الانتقاء : الاختيار .