واستجلابا ، واستظهارا على الخطوب وغلابا ، فذلك ضرر بالمروءات والأقدار ، داع إلى الفضيحة والعار ، ومن امتحن بها منكم اختيارا ، أو جبر عليها إكراها وإيثارا ، فليتلقّ وظائفها بسعة صدره ، ويبذل من الخير فيها ما يشهد أن قدرها دون قدره ، فالولايات فتنة ومحنة ، وأسر وإحنة « 1 » ، وهي بين إخطاء سعادة ، وإخلال بعبادة ، وتوقّع عزل ، وإدالة بإزاء بيع جدّ من الدنيا بهزل ، ومزلّة قدم ، واستتباع ندم ، ومآل العمر كلّه موت ومعاد ، واقتراب من اللّه وابتعاد ، جعلكم اللّه ممّن نفعه بالتبصير والتنبيه ، وممّن لا ينقطع بسببه عمل أبيه .
هذه أسعدكم اللّه وصيتي التي أصدرتها ، وتجارتي التي لربحكم أدرتها ، فتلقّوها بالقبول لنصحها ، والاهتداء بضوء صبحها ، وبقدر ما أمضيتم من فروعها ، واستغشيتم من دروعها ، اقتنيتم من المناقب الفاخرة ، وحصلتم على سعادة الدنيا والآخرة ، وبقدر ما أضعتم لآليها النفيسة القيم ، استكثرتم من بواعث النّدم .
« ومهما سئمتم إطالتها ، واستغزرتم مقالتها ، فاعلموا أنّ تقوى اللّه فذلكة الحساب ، وضابط هذا الباب ، كان اللّه خليفتي عليكم في كلّ حال ، فالدنيا مناخ ارتحال ، وتأميل الإقامة فرض محال ، فالموعد للالتقاء ، دار البقاء ، جعل اللّه من وراء خطته النجاة « 2 » ، ونفّق بضائعها المزجاة ، بلطائفه المرتجاة ، والسلام عليكم من حبيبكم المودع ، واللّه سبحانه يلئمه حيث شاء من شمل متصدّع ، والدكم محمد بن عبد اللّه بن الخطيب ، ورحمة اللّه وبركاته » .
انتهت الوصية الفريدة في حسنها ، الغريبة في فنّها ، المبلغة نفوس الناظرين فيها فوق ظنّها ، ولأجل ذلك كان شيخ شيوخنا المؤلف الكبير الفقيه الإمام قاضي القضاة العلامة سيدي الشيخ عبد الواحد ابن الشيخ الإمام عالم المالكية صاحب التآليف العديدة ك « المعيار المعرب ، والجامع المغرب عن فتاوي إفريقية والأندلس والمغرب » - وهو في ست مجلدات لكان كافيا ، وله مصنّفات كثيرة غيره أكثرها في مذهب مالك ، ولم يؤلف في المذهب مثلها .
[ وصية من إنشاء ابن الجيان المرسي ، كتبها عن ابن هود ملك الأندلس إلى أخيه ]
رجع إلى ما كنّا فيه :
أقول : لم تزل عادة الأكابر من العلماء والملوك الوصيّة لأولادهم وعمالهم باقتفاء النهج الذي يرون فيه السلوك ، وقد وقفت للفقيه الكاتب أبي عبد اللّه محمد بن الجيان المرسي الأندلسي رحمه اللّه تعالى على وصيّة ضمن رسالة كتبها عن ابن هود ملك الأندلس إلى أخيه اشتملت على ما لا بدّ منه ، فرأيت أن أذكرها هنا تتميما للفائدة ، ونصّها بعد الصدر :
« من مجاهد الدين ، وسيف أمير المؤمنين ، عبد اللّه المتوكّل عليه أمير المسلمين
هامش
( 1 ) الإحنة : الحقد والضغينة .
( 2 ) في ب : « خطة النجاة » .